لفضيلة الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن سليمان التويجري : سلمان العودة بين ذم الدولة الإسلامية وامتداح الدولة العلمانية
الحمد لله القائل ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين "15" يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم ) المائدة والصلاة والسلام على من ربط آخر الأمة بأولها وجعل من علامة هداية الآخرين كونهم على منهاج الأولين من الأنصار والمهاجرين حيث قال مجيباً على تساؤل بعض الصحابة الذين تساءلوا عن صفة الفرقة الناجية من الإثنتين وسبعين فرقة فقال ( هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) . أمـــا بعــــد . فقد تملك العجب الكثير من محبي الشيخ سلمان العودة ـ فضلاً عن شانئيه ـ حيث صدر عنه في يوم الجمعة العاشر من شهر ربيع الثاني من العــام 1428هـ في برنامجه ( الحياة كلمة ) على قناة ام بي سي والذي يكون فيه ضيفاً أسبوعياً بعد ظهر كل يوم جمعة . والعجب ليس في نقد الشيخ العودة للدولة الإسلامية في العراق ولا في اتهامها أنها تسفك دم كل من لم يبايعها وأنها تجعل البيعة فيصلاً ومفصلاً في سفك الدم أو حقنه وتأكيده على ذلك مع أن هذه التهمة نفت من كثير من المسؤولين في الدولة الإسلامية وعلى رأسهم أمير الدولة أبي عمر البغدادي في خطابيه الأخيرين بل ونفت هذه الشبهة بعض الجماعات الجهادية العراقية تلميحاً أو تصريحاً كجماعة الأنصار على لسان أميرها وغيرها من الجماعات . كل ذلك وغيره ليس فيه العجب فقد قيل في الدولة الإسلامية كثيراً ونبش كثيراً وأعيد كرة إثر كرة ، ومرة إثر مرة ،وضخم ،وأُبدأَ فيه وأُعيدَ ،وقلب ظهراً لبطن ،ووضع تحت المجهر حتى غدت خردلته أعظم من جبل أحد وذرته تزن رمل عالج . ولكن العجب كل العجب والذي أحرج محبي الشيخ وأتباعه أن الشيخ أعظم وأكبر وغالى في مدح دولة تركيا والتي يقودها حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب أردغان ونائبه عبد الله غول وهي دولة علمانية عارية تكسو عورتها المغلظة قطعة قماش مخرقة وشفافة ورقيقة بحجم النقير ،ورقة القطمير وتدعي هذه الدولة التركية أن تلك القطعة التي تكسو عورتها أنها قطعة إسلامية . والعجب أن الشيخ سلمان في ذلك البرنامج بعد أن كال التهم للدولة الإسلامية قال ما نصه ( وفي المقابل ربما تجد إلى جوار العراق بلداً مثل تركيا ، ولما تقرأ ما عمله الحزب الحاكم الآن في تركيا من إنجازات تجد أن هذه الإنجازات تعتبر إنجازات في تقديري جيدة وجميلة سواءً على الصعيد الاقتصادي أو على الصعيد السياسي أو على صعيد إبعاد أشباح الأزمات عن تركيا أو حتى على الصعيد الأخلاقي وإن لم تكن هي الصورة المثالية التي هي في ذهن كثير من الناس ولكن إذا قستها بما كان عليه الأمر وجدت أنها صورة طيبة وأنها حققت قدراً من الإنجاز وقدراً من تطبيع جوانب من الخير عند الناس ) انتهى . ولكي نعرف ما هي هذه الدولة التي يمتدحها الشيخ سلمان ويبحث لها عن ايجابيات ، بينما لا يجد لمن وقف في وجه الصليبيين المحتلين ونثر دمه رخيصا حماية لإخوانه المسلمين ودفاعا عن العقيدة الإسلامية، لا يجد لهم ايجابيات ، بل يبحث بالمجهر عن سلبيات مزعومة نفوها وتبرئوا منها مرارا وتكرارا.. فمَن هؤلاء الذين يمتدحهم الشيخ سلمان ؟ للإجابة على هذا السؤال سوف نسوق بعض الأقوال في هذا الحزب الحاكم لدولة تركيا والذي يحلوا للبعض أن يسميه حزباً إسلامياً لنرى هل هو بحق يمثل الإسلام أم العلمانية ؟ وعندها سوف يقف الجميع حيارى ومذهولين ومتسائلين ما الذي أعجب الشيخ العودة في دولة تركيا حتى أمتدحها وأطنب في الثناء عليها في نفس الوقت الذي أرسل فيه سيلاً عرماً من التهم والذم والتسفيه للدولة الإسلامية في العراق . أولاً : يقول رئيس وزراء تركيا السابق ( نجم الدين أربكان وهو زعيم حزب الرفاه الإسلامي والذي فاز بالانتخابات في العقد الماضي ،ومع الملاحظات العديدة والأخطاء الشرعية والعقدية على حزب الرفاه وعلى نجم الدين أربكان إبان حكمه لتركيا إلا أنه يرى حكومة تركيا الحالية بقيادة رجب أردغان قد أوغلت في حرب مظاهر الإسلام والارتماء في أحضان اليهود والصليبيين . حيث يقول في برنامج ( بلا حدود ) على قناة الجزيرة الفضائية ما يلي : ( إن قيادات الحزب مجموعة من العملاء صعدوا إلى الحكم من خلال مساعدة أجهزة أجنبية نافذة في الدولة ،وأنهم يعملون لتطويع الإسلام للمصالح الأمريكية في المنطقة وأنهم يقومون بتقديم تنازلات للعلمانية القائمة في الدولة تفقدهم الصفة الإسلامية ) . ثانياً : دعا نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق ( بول وولفويتز عبر صحيفة [ واشنطن تايمز ] في عددها الصادر في 25 / 3 / 1423 قائلاً [ إن من أكثر الدول التي يمكن أن تكون أمثلة للدول الإسلامية الحرة الديمقراطية هي تركيا ،و اندونيسيا ،والمغرب ] وأضاف قائلاً [ إننا نروج لهذا النوع من النجاح ] ومن يعلم حقيقة بول وولفويتز وشخصيته وفكره الإجرامي الحربي ومن يعرف عقيدة المحافظين الجدد ثم من يعرف غلاة المحافظين الجدد يدرك أن بول وولفويتز مع جون بولتون يصنفون من غلاة الغلاة في طبقة المحافظين الجدد وهاتين الشخصيتين هما من يرفضهما الحزب الجمهوري قبل الديمقراطي ولفرط إجرامه واستبداده عزل عن نيابة وزارة الدفاع ثم عين في البنك الدولي مع المعارضة الشديدة ولكن بوش فرضه بقوة منصبه [ ثم لم يلبث إلا مليا حتى رفضه بنى جلدته من الصليبيين بسبب الفجور والفساد العلني وطالبت الدول الأعضاء في البنك الدولي بعزله حتى عزل ] ومَنْ هو مطلع على العقيدة التي يسير عليها هذا المجرم ليس فقط ضد المسلمين بل حتى ضد الدول الصليبية يعلم أنه ما أثنى على تركيا إلا بعد أن أصبحت مطية لأمريكا ولدول الصليب . ثالثاً : عندما زار وزير الخارجية السابق كولن باول تركيا في 2/ 4/ 2003 قال من قلب عاصمتها [ إن لتركيا دور مهم في إقامة نموذج ديمقراطية إسلامية تعيش في سلام مع دول الجوار ، وإني لأرجو أن يكون النموذج التركي نموذجاً لجميع الدول في منطقة الشرق الأوسط ] رابعاً : عندما زار رئيس الوزراء التركي رجب اردغان واشنطن في 28 / 1/ 2004 عرض عليه الرئيس الأمريكي بوش خطته في حرب الإسلام وتفريغ الدين الإسلامي من محتواه حيث ذكرت صحيفة [ يني شفق ] التركية وعلى لسان رئيس تحريرها والذي كان في صحبة اردغان إلى واشنطن حيث قال في مقاله في تلك الصحيفة الصادرة في 30 / 1/ 2004 [ لقد عرض الرئيس الأمريكي بوش على رئيس الوزراء رجب اردغان معالم من المشروع الجديد ،والذي يمتد من المغرب حتى اندونيسيا مروراً بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز . وطلب بوش من اردغان أن تتولى دولته الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني ، واقترح بوش أن تبادر تركيا إلى إرسال وعَّاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليتولوا التبشير بنموذج الاعتدال التركي ] خامساً : تقول مجلة الشاهد في عددها رقم 343 [ إن الصفقة التي تطبخ الآن تسعى إلى جعل الإسلام التركي مفرغاً من ثوابت الدين ] . سادساً : إن تركيا في الحكومة العلمانية التي سبقت حكومة رجب اردغان مباشرة رفضت مطالب أمريكا في استخدام قواعدها في حربها ضد العراق وأفغانستان ولكن هذه الحكومة التي تدعي أنها إسلامية والتي أثنى عليها الشيخ سلمان العودة عادت لتفتح قواعدها للقوات الأمريكية الصليبية لقتل المسلمين هنا وهناك ولقد نقلت صحيفة الجزيرة السعودية في منتصف شهر ربيع الأول لعام 1426 هـ مباحثات الجانبين حول استخدام قاعدة [ انجيرليك الجوية ] . ونقلت صحيفة السفير أن البرلمان التركي صدق على طلب الولايات المتحدة توسيع عملية استخدام قاعدة انجرليك . وقالت وكالة أنباء الأناضول أن البرلمان سمح للطائرات الأمريكية العسكرية استخدام القاعدة في شحن عسكرية متجهه للعراق وأفغانستان . سابعاً : سارعت حكومة رجب اردغان إلى التطبيع شبه الكامل مع الدولة الإسرائيلية سواءً على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الزراعي أو الصناعي أو العسكري والصفقات العسكرية التي أبرمت خلال زيارة اردغان لإسرائيل في يوم الأحد 22 / 3 / 1426هـ ومن ذلك تدريب الضباط الإسرائيليين للضباط التركيين والمناورات العسكرية المشتركة ومنها ما حدث في 14 / 1 / 2005م ، وأبرمت عقود متوالية منذ تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم . وعلى الصعيد الأوربي سارعت حكومة اردغان في تنفيذ مطالب الإتحاد الأوربي بل وعدلت من قوانين الدولة التركية مقابل انضمامها على المدى البعيد للإتحاد الأوربي بعد أن تصل لدرجة التشابه والتطابق مع الدول الأوربية في قوانينها ومبادئها بل أصبحت مسألة انضمامها للإتحاد الأوربي أداة جديدة للإيغال في التبرؤ من الإسلام وأحكامه . ومن ذلك الانتقاد الذي وجهته الدول الأوربية لقانون تجريم الزنا في تركيا فهم لا يرضون أن يكون الزنا جريمة بل هو داخل تحت بند الحرية الشخصية التي لا يحق لدولة تريد أن تنظم إلى الإتحاد الأوربي أن تعمل به . ولقد قال وزير الخارجية البلجيكي ( إن القانون المقترح من جانب أنقرة لا يتفق مع تطلعاتها للانضمام إلى الإتحاد الأوربي ) . وبعد موجة الانتقاد الصليبي للقانون التركي اجتمع وزير العدل التركي [ جميل شيشق ] مع زعيم الحزب الجمهوري ووزير الخارجية عبد الله غول وصرح عقب الاجتماع قائلاً للصحفيين ( توصلنا إلى اتفاق لتقديم قانون يضمن الحريات والحقوق ) وهكذا تراجعت تركيا الإسلامية عن قانون تجريم الزنا . والعجيب في الأمر أن الشيخ سلمان العودة يقول إن الحزب الحاكم الآن ـ يقصد حزب العدالة والتنمية ـ حقق انجازات على المستوى الأخلاقي . ويضيف قائلاً [ أنها حققت قدراً من الإنجاز وقدراً من تطبيع جوانب الخير عند الناس ] . وهذه والله مكابرة أن تكون الصحوة التركية بسبب حزب العدالة والتنمية وأن الحزب سبب الأخلاق التي تطبّع بها الناس ، بل الشعب التركي مقبل على الأحكام الإسلامية منذ أكثر من عشرين سنة وما سبب فوز حزب الرفاه وحزب العدالة والتنمية إلا لحب الشعب لمظاهر الإسلام وأخلاقه لا أن حزب العدالة والتنمية الذي خدع الشعب التركي بشعاراته الإسلامية هو الذي طبع فيهم الأخلاق . والأعجب من ذلك أن موقع الإسلام اليوم والذي يشرف عليه العودة كان من ضمن المواقع التي نشرت تراجع تركيا عن قانون تجريم الزنا وذلك في 1 / 8 / 1425هـ فأي أخلاق يطبعها الحزب الحاكم يا شيخ سلمان وهو يتراجع عن الشريعة الإسلامية إلى الشريعة الأوربية ويقدم حكمهم على حكم الله ويفضل الدخول في حزبهم واتحادهم على الدخول في حزب الله . إن تراجع الحزب الحاكم عن قانون تجريم الزنا أتى تلبية لمطالب دول الصليب التي اتهمت القانون بأنه من مخلفات الإسلام وقال عنه [ كاريل دي جوشت ] عبر شبكة تلفزيون آر تي العامة [ إنهم يريدون إعادة تطبيق المعاقبة على الزنا وهذا يسير بقوة في اتجاه الشريعة الإسلامية ] وأضاف قائلاً [ من أجل إعطاء تركيا فرصة للانضمام للإتحاد الأوربي سوف يتعين تقييمها بمعيار أوروبي واعتقد أن التشريع لن يتفق مع الانضمام إلى الإتحاد الأوربي ] . ولتعلم يا شيخ سلمان أن القانون التركي ليس رجم الزاني أو جلده بل هو قانون وضعي لا يمت للشريعة بصلة ومع ذلك تراجعوا عنه وأثنيت عليهم أنهم يطبعون الأخلاق الجميلة . ثامناً : صرح [ توران أوزالي ] نائب رئيس حزب العمال التركي لصحيفة [ البيان ] قائلاً ( إن إسرائيل تقوم بتصنيع بعض أسلحتها الكيميائية في منطقة [ يلاوا ] التي تبعد عن مدينة اسطنبول نحو 200 كم ) ووصف أوزالي هذا التطور في العلاقات الإسرائيلية التركية بالخطير وسيكون له سلبيات على مستقبل حكومة حزب العدالة والتنمية ودعا إلى إعادة النظر في مجمل الاتفاقات العسكرية والأمنية الموقعة بين الدولتين لأنها تخدم مصالح إسرائيل أكثر مما تخدم مصالح تركيا . يا شيخ سلمان ألا ترى أن هذا التصريح من نائب رئيس حزب العمال التركي يتفق مع تصريح نجم الدين اربكان رئيس الوزراء التركي السابق ( بأن حزب العدالة والتنمية مجموعة عملاء يسعون لتطويع الإسلام للمصالح الأمريكية ) وإني لأظنهما أعرف وأخبر بالحكومة التركية منك ، فلماذا يذمونها وتمدحها أنت ؟ وقد اعترفت أنه ليس لديك دراسة دقيقة عنها أم أنها مقارنة بين النقيضين فالدولة الإسلامية في العراق تسعى إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وتجابه المخططات الصهيوصليبية وتعلن أنها تسعى لأن تكون نواة لإقامة الخلافة الإسلامية ، أما الحكومة التركية فحكمت بالسجن المؤبد مدى الحياة على رجل طالب [ بدولة خلافة إسلامية ] حيث نقلت صحيفة الجزيرة السعودية في عددها الصادر في 15 / 5 / 1425هـ [ أن محكمة جنايات اسطنبول حكمت بالسجن مدى الحياة على [ متين قبلان ] زعيم إتحاد المؤسسات والجمعيات الإسلامية بالسجن المؤبد واتهم بثلاثة عشر تهمة على رأسها مطالبته بالخلافة الإسلامية ] أيعقل أن يمدح مثلك هذه الدولة والله إنه لم يثنِ عليها إلا اليهود والصليبيين فلا تحشر نفسك في زمرتهم . تاسعا:ً وغني عن الذكر والتذكير أن فكر الإخوان المسلمين وخاصة الأفكار الجديدة والتي تطرحها الوجوه الشابة والتي تكاد تنسلخ من كل ثوابت الجماعة ومسلماتها السابقة ومع الكم الهائل من التنازلات والتغيرات التي طرأت على جماعة الإخوان المسلمين ومع تفريطهم ليس بعقيدة الإسلام فحسب بل وبشعاراتهم التي طالما تغنوا بها إلا أنهم لم يرضوا النموذج التركي للإسلام حيث صرح بذلك نائب المرشد العام للإخوان ونقل تصريحه موقع ((نافذة مصر)) وذلك إثر تصريحات أدلت بها وزيرة الخارجية السابقة (( مادلين أولبرايت )) والتي عملت كمبعوثة لبوش لمنطقة الشرق الأوسط لنشر الديمقراطية حيث اتصلت بالإخوان المسلمين وأثنت عليهم وطالبت مقابل السماح للإخوان في العملية السياسية أن يعملوا بالنموذج التركي للإسلام . فقال الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين [ إن تجربة تركيا يصعب تكرارها في مصر ،لاختلاف الخلفيات الثقافية والاجتماعية للبلدين ،فضلاً عن أن لكل حزب أو حركة إسلامية أجندتها الخاصة وثوابتها التي تدافع عنها ولا تفرط فيها ] كيف يا شيخ سلمان، الإخوان على علاتهم لا يرضون بالنموذج التركي وأنت تبالغ في إطرائه ، أم أنك تجاوزت العقيدة الإخوانية المتميعة وأصبحت بالنسبة لك عقيدة متشددة . [ وهذا فعلاً ما قاله أحمد الدغشي الذي وصفه موقعك بأنه مفكر وأكاديمي يمني وقد صرّح في نفس موقعك قائلاً : أطروحات سلمان العودة المستنيرة تجاوزت "الإخوان" !!! وطار موقعك فرحا بهذه العبارة وجعلها عنوانا للقاء الذي أجراه موقعك مع الدغشي علما أن أصل اللقاء ليس عن أطروحاتك وفكرك، ولكنه ذكرك عرضا ومع ذلك كانت تلك الجملة عنوان المقابلة. ولا أدري يا شيخ سلمان هل الدغشي بقوله انك تجاوزت بأطروحاتك الإخوان بكثير. ومؤكدا ذلك بقوله ( وأنا هنا لا أقول ذلك من قبيل المجاملة لأنك تحاورني من طرف مؤسسة الإسلام اليوم ) هل هو بذلك يؤكد مقولة عبد الرحمن الراشد حينما قال (سلمان العودة أشد لبرالية مني ) !! ولعل ثناء الليبراليين عليك في الآونة الأخيرة كتركي الحمد ، يؤكد ما ذهب إليه الدغشي والراشد !!. عاشرا: إن الدولة التركية التي امتدحتها قد سمحت لأمريكا أن تخزن قنابلها النووية في قواعدها، كما نقلت ذلك الصحف، وأما المصدر فغاب من بين يدي في هذه اللحظة ولعلي أجده لاحقا . وعلى العموم هذا غيض من فيض من طوام تركيا العلمانية ، وأما الباحث المتخصص سيجد وثائق ووقائع كثيرة من ترويضها لإسلامها المزعوم لمصالح أمريكا والاتحاد الأوربي ولإرضاء الكيان الإسرائيلي ، ولم أشأ في هذا المقال القصير تتبعها . يا شيخ سلمان والله لأن تكون في مواطن رضا الله أحب إلينا من أن تكون في مواطن سخطه ولأن تدركك رحمة الله أشهى إلينا من أن يدركك غضبه ولأن تكون في الفردوس الأعلى أقر لعيوننا من أن يمسك عذابه ولأن تعود إلى عهدك ما قبل السجن أمتع لنفوسنا من عودة من مات من آبائنا وأمهاتنا . يا شيخ سلمان أعد ذاكرتك خمسة عشر سنة للوراء لتدرك الفرق بين السماء والأرض وبين الثرى والثريا وبين الليل والنهار . أعد ذاكرتك لتعيد النظر في صفحة تلك الصحيفة الأمريكية والتي رسمت كاريكاتيراً يمثل صورةً للكرة الأرضية يطوقها ثعبان عظيم قد التف عليها وطوقها والتوى عليها وقد كتب على رأس ذلك الثعبان ( سلمان العودة ) . وقارن تلك المواقف من دول الصليب وضغوطهم على الدولة لإسكاتك عن فضح مؤامراتهم ومخططاتهم ، مع مواقفهم منك الآن حيث رضوا بفكرك المعتدل ورحبوا بدعوتك للتعايش واهتزوا طرباً بانقلاب خطابك الإسلامي وأشادوا بك وبكل من يسير بنفس طريقك . يا شيخ سلمان أعد ذاكرتك بضعة عشر سنة لتسمع تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي حينما قال عنك وعن إخوانك من قادة الصحوة المباركة ( إن أخشى ما نخشاه الإسلاميون الأصوليون السياسيون ) والذي لم يمض على تصريح هذا اليهودي شهر واحد حتى تم اعتقالك عندها فرح اليهود ليس في دولة إسرائيل فقط بل في كل دول العالم وأثنت الدول الأوربية والأمريكية من خلال صحافتها على جهود السعودية في مكافحة التطرف وطالبت بالمزيد . يا شيخ سلمان قارن تلك الصورة السابقة من بغض اليهود لك وسعيهم لإخماد صوتك، بموقفهم منك بعد سلوكك هذا الطريق الملتوي . هاهو اليهودي المتعصب [ توماس فريدمان ] والذي قابلته عندما زارك في بيتك بمدينة بريدة وشرحت له فكرك الجديد وموقفك من اليهود والنصارى ومشروعك المستقبلي، فانطلق هذا اليهودي الأمريكي يقطع المحيطات ويبشر العالم الصليبي عامة واليهودي خاصة بفكرك المتسامح على حد تعبير فريدمان في مقاله الذي نشره في أول فرصة بعد هبوطه على أرض راعية الصليب أمريكا . وأخبر بتلك الصحيفة عن عقد صفقة بينك وبينه ، والتي شككنا فيها في وقتها ولكن للأسف أصبحت اليوم كالشمس في رابعة النهار حيث ذكر في مقاله أنه سألك عن مشروعك المستقبلي فقلت له ( سأعمل بكل ما أملك على ألا يتكرر حادث 11/ سبتمبر ) وكان مقابل هذه الصفقة أن قال لك ( وأنا سأعمل بكل ما أملك أن يفتح أمام فكرك المعتدل والمتسامح سائر وسائل الإعلام ) ثم كلّم المسئولين السعوديين والأمريكيين عن فك الحجر الإعلامي عنك فأصبحت تتكلم في الإذاعة وتكتب في الصحف وتُقابل في القنوات الفضائية وتستضاف في التلفزيون وتنشئ موقعاً الكترونياً ، وكل ما كان حراماً عليك بالأمس جعلته الدولة حل لك اليوم وأبدى الأمير نايف إعجابه بك . ووالله حينما نقرأ عن تقارير المؤسسات الأمريكية والأوربية المتخصصة في الجوانب السياسية والدينية والحرية نجد أن كلامك يكرر نفس المصطلحات والعبارات وتحاول شرعنتها وأنها موافقة للشريعة الإسلامية بعد أن تحاول إقناع المشاهدين أن لها أصلاً في الدين الإسلامي وأنت أعلم الناس أن الغرب الصليبي يخالف هذه المصطلحات في تعامله مع المسلمين وأنها شعارات جوفاء من أجل خلخلت المجتمعات الإسلامية والتدخل فيها حتى قلت : لماذا نحن نخاف من كل ما يأتي على ظهر الحصان الأمريكي ؟ . يا شيخ سلمان عد بذاكرتك إلى الوراء لتدرك كيف كانت منزلتك في قلوب العامة والعلماء حينما كنت تحمل لواء الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحينما تأتيك الرسائل والفاكسات من أنحاء العالم الإسلامي والأوربي والأمريكي بل ومن كل دول القارات، الكل يبث إليك همومه ويستشيرك في أموره وكنت بحق تدافع خلال محاضراتك عن المسلمين في كل مكان وتتكلم بهمومه وتسعى لإعانتهم وكانت الرسائل تتجاوز الخمسمائة في الأسبوع الواحد . لأن المسلمين رأوا فيك صورة الأخ المحب والابن الناصح لأمته ، فلا تكن اليوم الابن العاق لأمتك . ولكن أينك اليوم من الأمس؟ كم حدثت من المآسي والمصائب للمسلمين في داخل السعودية وخارجها وكلما أتى إليك أحد يريدك أن تقوم بحق الله من الأمر والنهي قلت غيري يقوم بذلك ، ولكن الحقيقة أن أصبح أمرك ونهيك يصب في صالح الصليبيين وتحاول أن تتقرب إليهم بعدة أشياء . فمن ذلك ما يلي : أولاً : لم تطالب يوماً من الأيام بفكاك أسرى المجاهدين أو تسعى لتبني قضيتهم أو تحاول تحريك الرأي العام والعالم الإسلامي وشخصياته للعمل على الضغط على الحكومة الأمريكية لتخلي سبيلهم وعلى العكس كلما أسر المجاهدون أحد الصليبيين من الصحفيين (الذين يثبت للمجاهدين أنهم من رجال الاستخبارات) أوغيرهم ممن تسميهم مدنيين أو مهنيين سارعت إلى الشجب والاستنكار وطالبت الجماعة التي أسرتهم بإخلاء سبيلهم متجاهلا حالهم وتسترهم بلباس يخفي عملهم الحقيقي . وإنك لتعلم أن المجاهدين لا يعذبونهم في أثناء الأسر بل كل من أفرج عنه منهم أثنوا على المجاهدين في حسن المعاملة وأما المجاهدين المأسورين فإنك تعلم أنهم يذوقون الموت في الساعة الواحدة مرات ومرات ويتمنون الموت من شدة التعذيب والتنكيل ومع ذلك لم تحرك لسانك لتذب عن إخوانك أو تدافع عنهم أو تطالب بإطلاق سراحهم . ثانياً : إن كنت تنادي بإطلاق سراح الصليبيين لتبين لهم سماحة الإسلام كما تزعم وتسكت عن المطالبة بفك المجاهدين لأنهم إرهابيين، فلماذا لا تطالب بفكاك أسر الحرائر العراقيات اللاتي يتعاقب على الواحدة منهن ثمانية علوج من الصليبيين كما أخبرت بذلك فاطمة وغيرها من الأسيرات كصابرين الجنابي وعبير التي أحرقت بعد اغتصابها، أين أنت وأين غيرتك على أعراض المسلمين؟ أين أنت من أنواع الجرائم التي يسلكها الصليبيون مع الأسيرات العراقيات ومن هذه الجرائم تدريب الكلاب البوليسية على ممارسة الجنس مع الأسيرات واللاتي مات الكثير منهن من شدة الصدمة . ثالثاً : تخليت عن عامة القضايا الإسلامية وأصبح نقدك لاذعاً للمسلمين وأن السبب فيهم وليس خارجهم أو من عدوهم وأصبح لسانك حاداً خاصةً على المجاهدين وليناً في مخاطبتك للكفار والصليبيين الذين تسميهم بالآخرين وتدعوا للحوار والتعايش معهم . رابعاً : أصبحت يا شيخ من أقل رجال العلم الذين يتكلمون عن العقيدة الصحيحة وتتذرع بعدة حجج وتقول الساحة تسع الجميع ولا نريد الاختلاف والتفرق . ونسيت أن اثنتين وسبعين فرقة إسلامية في النار . أليس لهؤلاء حق أن تنقذهم من طريق النار ؟ بل وحتى مصطلحاتك التي تستخدمها لم تعد شرعية بل هي إعلامية اجتماعية (وأحياناً ليبرالية) . ومع ذلك قاعدتك ليست مطردة فأنت تسكت عن كل فرقة أو حزب إلا المجاهدين فلا يزال لسانك خشناً من ذمهم وتقبيحهم وتسفيههم وتجريمهم ورميهم بالغلو والتطرف . مع علمك أن اليهود والصليبيين يحبون ذلك منك ويفرحهم ذلك والله أمرك بغيظهم لا بإسعادهم (( ولا يطئون موطأً يغيض الكفار ولا ينالون من عدوٍٍ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح )) . خامساً : لم تتكلم في العقيدة إلا إذا رجوت من الكلام الإضرار بالمجاهدين من ذلك أنك بعد أن رأيت عزم أمريكا على ضرب أفغانستان ونفر الشباب إلى أفغانستان ليصدوا الحملة الصليبية حاولت ثنيهم بكل وسيلة وكنت تقول إن الأمة بحاجة إلى الدعاة وكثير من المدن والقرى بحاجة إلى الشباب لرفع الجهل عنهم ولكن لم يجدي ذلك، فوضعت سؤالاً في موقعك الإسلام اليوم موجه لأحد المشايخ والسؤال يسأل عن عقيدة أعضاء حكومة طالبان وكان الجواب من ذلك الشيخ أنهم ماتوريدية وأشعريه وبقيت تلك الفتوى فترة طويلة على موقع الإسلام اليوم، فلماذا ذلك يا شيخ ؟ يا شيخ سلمان عد بذاكرتك إلى الوراء لتتمتع بعظمة الأخوة في الله حينما استقدم أحد الأندية الرياضية بالقصيم مدرباً صربياً فرفعت صوتك بالحق أثناء إلقاءك المحاضرة في الجامع الكبير ببريده ومهدداً أنك ستعلن اسم ذلك النادي وتشهر به في الأسبوع القادم إذا لم ينهي تعاقده مع ذلك الصربي الذي تقطر أيدي إخوانه الصرب من دماء إخواننا في البوسنة . فأنهى ذلك النادي تعاقده فوراً مع الصربي . فأين يا شيخ هذه الغضبات لدماء المسلمين التي اليوم تسفك في كل مكان؟ لا نراك والله إلا سليط اللسان على المجاهدين متغافلاً عن الكافرين والمحتلين . يا شيخ سلمان عد بذاكرتك قليلاً حينما توجهت قبل فترة السجن أنت ومجموعة من العلماء والقضاة إلى الملك فهد و ولي العهد آنذاك عبد الله بن عبد العزيز والأمير سلمان أمير الرياض . وأطلقتم على ذلك الوفد وفد القصيم . وكان من أبرز ما تحدثتم عنه أمام الأمير عبد الله وسلمان أنكم ناصحتوهم عن الانفتاح الأخير من قبل الدولة للشيعة الروافض وخطر ذلك على المجتمع والدولة . فما بالك اليوم تسعى للتعايش معهم وتطالب بحقوقهم إن كان لهم حقوق وتسعى لفتح المؤسسات الحكومية أمامهم . وأنت من أول من تولى كبر ذلك من خلال مؤتمر الحوار الوطني الأول وكنت أنت الذي ألقيت الخطاب الختامي بين يدي عبد الله بن عبد العزيز . ومن ذلك اليوم ولا يزال الروافض الإثنا عشرية والإسماعيلية والصوفية يطالبون بحقوقهم المزعومة ويطالبون بالحرية والمساواة . يا شيخ سلمان عد بذاكرتك لتعيش لحظات الدفاع عن أهل السنة في إيران وعن موقفك الشجاع ونداءك للسفارة الإيرانية عن تمزيق ورق القرآن ووضعها في صناديق الفاكهة واعتذار السفارة عن ذلك ، ثم قارنه مع دعواتك للتقارب والتعايش ( قبل أن تتحول عن هذا الرأي في الأيام الأخيرة لأن الدولة غيرت موقفها منهم ) . يا شيخ سلمان عد بذاكرتك وعش لحظات عقيدة الولاء والبراء حينما أنكرت دعم الدولة السعودية لحكومة الجزائر ضد الإسلاميين وضد جبهة الإنقاذ التي فازت بالانتخابات وهدد حينها الرئيس الفرنسي فرانس واه متران قائلاً إن وصل الإسلاميون للسلطة فسوف أتدخل عسكرياً، فسارعت السعودية بدعم الحكومة الجزائرية بآلاف الملايين من الريالات فقتل من الشعب مائة ألف مسلم . وقلت في إحدى محاضراتك العامة معلقاً على دعم السعودية للحكومة المرتدة بالجزائر إن إعانة حكومة الجزائر بعلبة كبريت يعد ناقضاً من نواقض الإسلام ومخرجاً من ملة الإسلام . ثم ذهبت أنت والعلماء تقررون الكفر الذي وقعت فيه الدولة بدعم اليمن الشيوعي ضد اليمن الجنوبي ودعم الروس ضد المجاهدين بأربعة مليارات ودعم قرنق الصليبي في جنوب السودان ضد حكومة البشير السودانية وغيرها من أفعال الكفر وناقشتم فيها عامة أعضاء هيئة كبار العلماء . فما بالك اليوم ساكت عن إعانة السعودية لأمريكا وفتح قواعدها وخدماتها اللوجستية للجيوش الصليبية التي احتلت بلدين إسلاميين وألحقتها بثالث وهو الصومال عن طريق ربيبتها أثيوبيا . بل ما نراك إلا مثنياً على الدولة السعودية مشيداً بها وبمواقفها المشرفة مع تصريح المسؤلين الأمريكيين بمساعدة السعودية لها خلال الحربين . فهل الذي تغير عقيدة الولاء والبراء ؟ أم سلمان العودة ؟ يا شيخ سلمان عد بذاكرتك للوراء لترى أنك كنت تعمل بآية من آيات القرآن وحكم من أحكام الإسلام وهو الغلظة على المنافقين عاملاً بقوله تعالى [ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ] . فكنت مغيظاً لهم متتبعاً لعوراتهم كاشفاً خباياهم فاضحاً مخططاتهم مفاصلاً لهم تعلن براءتك منهم وتفاخر ببعدك عنهم . ولكن الأمر انعكس الآن فلقد أصدرت بيانك الذي عرف ببيان التعايش ورحب العلمانيون والرافضة والحداثيون واللبراليون و المنافقون والقوميون والمثقفون ببيانك ذلك وأثنوا عليه وبالغوا في إطراءه، ولكنهم أجمعوا على نقدك في نقطة معينة وهي كيف تتعايش مع الآخر البعيد ولم تتعايش مع الآخر القريب ويعنون أنفسهم، فعندها وحتى لا تتناقض بدأت بالتعايش مع الآخر الداخلي فجالست الصفار الرافضي وفدعق الصوفي والغذامي الحداثي والقصيبي العلماني وغيرهم من حثالات المجتمع وأثنى هؤلاء جميعاً على مواقفك الأخيرة حتى قال مدير قناة العربية عبد الرحمن الراشد إن سلمان العودة أشد ليبرالية مني (كما ذكرنا سالفاً) ، وحتى أبدى وليد آل ابراهيم "صاحب قنوات الإفساد ام بي سي" إعجابه بك وبتقديمك للإسلام بصورة غير متطرفة!! كلمة أخيرة ياشيخ سلمان كان فيما مضى لا يحبك على وجه العموم إلا من يحب الله ورسوله ونصرة دين الإسلام. ولا يبغضك على وجه العموم إلا يهوديا أو نصرانيا أو منافقا أو علمانيا أو مبتدعا أو حاسدا . وأما اليوم فعامة من يعاديك بالأمس أصبحوا من أحبابك أو من المعجبين بك . ووالله ياشيخ لأن تلقى الله بطائفتك الأولى التي نحسبهاخالصة من المؤمنين والمسلمين خير لك من أن تلقى الله بطائفتك الثانية التي هي خليط من المنافقين واليهود والنصارى وفسقة المسلمين . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول أنتم شهداء الله في أرضه. فانظر إلى أحوال وأعمال وعقائد من يشهدون لك اليوم بأنك متنور ومعتدل ومتسامح ولبرالي فهؤلاء مدحهم لك وبهذه الصفات مذمة عند الله . نسأل الله لنا ولك ولعموم المسلمين أن يرينا الحق حقا ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين محمد بن عبداللطيف بن سليمان التويجري
13ربيع ثاني 1428هـ