Sunday, November 13, 2011

مجرد مقدمة.. ونموذج بديل
تونس والدور الأمريكي في التغيير..؟

بقلم نهاد الغادري

يمكن القول ، على ضوء ماتجمع من معلومات ، إن ماحدث في تونس كان ثورة ذات بعدين : داخلي وخارجي . فأما الداخلي فهو الضيق الإقتصادي والنهب والقمع السياسي وقد طال ، وأما الخارجي فهو تنبيه أمريكي تلقته القيادة في تونس بمنع استخدام الجيش والقوة المسلحة في قمع الإنتفاضة الشعبية التي انتهت بثورة نصف دامية أو ثورة بأقل الضحايا ولكنها شعبية وليست انقلابا .

البعد الأول موجود في أكثر من بلد عربي ، أي الضيق أو النهب ومعهما القمع . أما البعد الثاني الخارجي ، أي التحذير الأمريكي ـ ويعرفه كل من يهمه الأمر ..؟ ـ فهو يحدد أبعاد الحاجة الخارجية للتغيير لئلا يفجر الدم ثورات أخرى مكبوتة أو نائمة في منطقة ترهّلت أنظمتها .

تشكو مجتمعات الشرق الأوسط ، العربية تحديداً ، من أن الحاجة للتغيير قد تم توظيفها تاريخياً لحساب القوة ـ الجيوش والأمن والحاكم الفرد وغياب الديموقراطية بحدها الأدنى ..ـ بعد أن أقامت فيها الإنقلابات أنظمة قمع وفساد تزيد على ماأزاحته عليه وأقصته . أنتجت القوة العسكرية أنظمة جديدة طال زمنها وفسادها حتى أصبحت هي الأخرى عبئاً على المصالح الخارجية والحاجات الوطنية ، وقد اتحدا في تونس في لحظة تاريخية هي الأولى ولن تكون الأخيرة .

أهمية ماحصل في تونس ليس مجرد تغيير الرئيس وخلعه ، بل في التغيير الواسع للطبقة الحاكمة برمتها ورموزها الذي تحاول الإنتفاضة الشعبية فرضه ولم يُعرف بعد موقف القوى الخارجية من مرحلته الثانية . يمكن التأكيد على أن مايريده الخارج هو أن تصل الرسالة بمرحلتها الأولى للآخرين ، كل الآخرين . تقول الرسالة التونسية ببعدها الخارجي أن قد حان وقت التغيير والخروج من أنظمة القوة والأمن العسكرية والنهب إلى أنظمة الإرادة الشعبية .

تجربة الثورة المدنية في تونس مازالت تحت السيطرة وقد تنتهي باقتلاع طبقة الفساد الحاكمة لتستبدلها بطبقة جديدة أكثر فتوة وتعبيراً عن المصالح الوطنية في مجتمع منفتح بحكم ثقافته . هذا يعني أن التجربة العراقية أعطت درسها المضاد بعد أن أنتجت تسليم العراق لإيران ، وأن التجربة التونسية ، يمكن في حال نجاحها ومازالت في بداياتها ، أن تكون نموذجاً للتغيير القادم الأقل عنفاً ودماً في أكثر من بلد ونظام ومجتمع .

طبعاً لم تصنع واشنطن الأحداث في تونس . انفجر الواقع في حادث يمكن اعتباره فردياً ومحدوداً ولكنه جاء تعبيراً عن أزمة نظام فاسد لايختلف عن أنظمة كثيرة مماثلة له . كل مافعلته واشنطن هو التحذير من استخدام القوة المفرطة ـ أي الجيش ـ في القمع ، فكان أن عبرت الإرادة الشعبية عن نفسها بتغيير يوشك أن يقتلع نظام تونس المتكلس من جذوره وبأقل عدد من ضحايا ثورة ذات عمق شعبي حقيقي ، وهي مستمرة .

يمكن فهم هذا البعد الآخر فيماحدث بتونس بطرح السؤال على النحو التالي : هل كانت قصة محمد البوعزيزي وإحراق نفسه هي التي صنعت الثورة . ؟ . يصعب تأكيد ذلك لأن حجم الفعل وردود الفعل يوشك أن يقتلع كل النظام السابق ، أدواته ورموزه ، وليس الرئيس وبطانته وحدها . هذا يعني أن عناصر الثورة تجمعت في لحظة التغيير ، وأن الخارج أحسن توقيت التدخل ، وأن تونس مجرد مقدمة أو نموذج لبعض جواره .

على أن مابعد الثورة في تونس يطرح أسئلة التغيير في أكثر من بلد عربي تتجمع فيه أسباب هذه الثورة وعناصرها . فعلى امتداد العالم العربي تشكو الأنظمة من الوهن والعجز والفساد ، وفي قوانين التغيير أن أسبابه تسبقه ، أي إن الكمّ يتقدم الكيف قبل أن ينفجر . ولأن أسباب الثورة تتصل بحياة الناس في عالم لم يعد ممكناً معه إغلاق المنافذ والنوافذ ، سواء مااتصل بحق الحرية المقدس أم بحق المعاش والكفاية لئلا نقول والحياة الكريمة ، فإن العالم ينظر للتغيير إيجاباً وقد يشجع عليه أو يدعو إليه لأسباب لاتتصل بحق الشعوب فقط بل وبالإستقرار وبخاصة في المناطق شديدة الحساسية أو سريعة الإنفجار .. إضافة لمنع الثورات الدامية ذات العدوى .

ثورة تونس تسير في طريق تشجع عليه القوة الخارجية العظمى بقدر مايحتاجها شعب تونس الذي حكمته امرأة وبطانة فاسدة . إنها الوجه الآخر أو البديل من احتلال العراق في عملية التغيير المطلوبة خارجياً بوصفها مدخلاً لإعادة تنظيم منطقة الجوار النفطي بعد أن ترهّلت أنظمته واقتربت من ثورات دامية تهدد الأمن والمصالح .

nghadry@cyberia.net.lb


التاريخ 1/24/2011

http://www.almoharrer.net/details.aspx?id=340 مجرد مقدمة .. ونموذج بديل تونس والدور الأمريكي في التغيير ..؟ بقلم نهاد الغادري