Wednesday, December 7, 2011


غسان الإمام : هل تراهن أميركا على «أسلمة ديمقراطية» للنظام العربي؟

20 مايو 2003

غزت اميركا العراق متذرعة بكونه دولة جرثومية / كيماوية مهددة لأمنها. عندما لم تعثر على الجراثيم والغازات رفعت شعار التغيير من اجل «الديمقراطية» الاكثر قبولا.

كان التصور الأولي في ذهن ادارة بوش ان تقيم في العراق نظاما ديمقراطيا علمانيا. لكن مع الاحتكاك بالواقع الميداني على الارض العراقية، تبدو «العلمانية» مشروعا مستحيلا او صعبا في الوقت الراهن، ليس في العراق وحده، وانما في سائر المنطقة العربية.

ولهذه الصعوبة اسباب كثيرة: المنطقة غائمة منذ ألوف السنين بضباب عقائد وفلسفات وضعت الدين في صميم الحياة السياسية والاجتماعية. ثم لم تكن الحداثة العربية «علمانية»، بمعنى انها لم تفصل الدين عن الدولة والسياسة والتربية. ومع العودة الراهنة الى «الاسلمة» فقد حرصت كل التيارات المتأسلمة على تكفير العلمانية، وهي تهمة ظالمة. فقد كان الهدف من العلمانية في الحداثة الاوروبية تحرير التربية من احتكار الكنيسة لها، وليس القضاء على الدين، كما يتصور عمدا او خطأ المتأسلمون.

هذا الاكتشاف المفاجئ هو الذي يضع مشروع التغيير الاميركي في دائرة الحيرة والغموض، هناك انقسام واضح في الادارة الاميركية. بوش يقول إنه سيترك للعراقيين حرية الاختيار، حتى ولو اختاروا نظاما دينيا. وزير دفاعه رامسفيلد ممثل «المحافظة التقليدية» يخالفه صراحة، مؤكدا رفضه لنظام اسلامي، حتى ولو جاء به الاقتراع الحر.

بوش ورامسفيلد ليسا عقل الادارة الاميركية المفكر. «المحافظون الجدد» هم في الواقع الذين يفكرون ويخططون بالنيابة عن الرئيس ووزير الدفاع، هذا التيار الذي نشأ في الستينات، متأثرا بفكر الفيلسوف اليهودي الالماني المهاجر ليو شتراوس، ينادي الآن بأن تستخدم اميركا قوتها المتفوقة لاعادة تشكيل العالم. وباعتبار كونهم من غلاة اليهود المناصرين لاسرائيل، فهم يرشحون الشرق الاوسط اولا لـ«التغيير الديمقراطي» واحلال السلام بين العرب واسرائيل على اساس دولتين ثنائيتين لليهود وللفلسطينيين.

النصر الاميركي السهل في افغانستان والعراق زاد من قوة التيار المحافظ الجديد المتمركز اصلا في البنتاغون، ثم في مجلس الامن الوطني في البيت الابيض، وهو متحالف مع الجناح الاصولي في الحزب الجمهوري الذي جاء ببوش الاصغر الى الحكم، والتياران ضد اعتماد الامم المتحدة، او اية قوة دولية أخرى، في مشاركة اميركا او منافستها في الهيمنة على العالم.

وهكذا، فسياسة اميركا الخارجية محكومة بغرائز بوش المزاجية وبحلفه مع الاصولية الجمهورية والمحافظة الجديدة. وللغرابة فهذه الاصولية التي تريد تأكيد دور الدين في التربية، تتناقض مع حماسة اليهود المحافظين لـ «العلمانية» في الشرق الاوسط.

امام ظهور الشيعة كقوة شعبية تطالب بدولة دينية في العراق، فقد توارى قليلا شعار العلمانية الاميركي. لكن الحيرة الاميركية في اختيار البديل هو الذي اجل الى الآن اقامة حكومة عراقية انتقالية، وهو الذي دفع اميركا الى مطالبة مجلس الأمن بتفويض دولي لادارة العراق لمدة عام، ربما تكون قابلة للتمديد.

وهكذا ايضا، فإنهاء الاحتلال غير وارد، والانسحاب من شؤون العراق غير وارد. والسخرية ان هذا الوجود مرفوض علنا لدى القوى العراقية المختلفة، بما فيها الشيعة، وهو واقع مقبول ضمنا لدى الشيعة ايضا، ولا سيما ان السلاح متوفر في ايدي الناس، وميليشيات صدام لم يتم تفكيكها. المطالبة العراقية اذن، بالانسحاب وانهاء الاحتلال، هي من قبيل المزايدة الوطنية كسلعة للاستهلاك في الشارع العربي. والعواصم العربية المطالبة تعرف انها غير جادة وغير واقعية في هذا المطلب.

هناك اتفاق عراقي ـ اميركي عريض على اقامة نظام ديمقراطي، تعددي، فيدرالي. لكن لماذا المهلة التي تطالب بها اميركا مجلس الأمن؟

ادارة بوش تريد وقتا كافيا للاستقرار على مشروع بديل للعلمنة المستحيلة في الظروف الراهنة في العراق والمنطقة كلها. وشرعية التمديد الدولية ستتيح، في التصور الاميركي، اعادة قولبة الرأي العام العراقي، بمساعدة قواه السياسية، للقبول بدولة غير دينية، ولصياغة دستور يوفق بين الديمقراطية والشريعة الاسلامية، وتنبثق عنه انتخابات تسفر عن حكومة عريضة ممثلة للقوى المختلفة، ولا يسيطر عليها رجال الدين الشيعة.

مع استحالة العلمانية، ومع استحالة الاتفاق مع القوى الدينية الشيعية والسنية على استبعاد «الدولة الدينية»، فالولايات المتحدة قد تجد نفسها منساقة خلال المدة الممنوحة لها دوليا، الى اعتماد مشروع سياسي وسط يوفق بين الديمقراطية والاسلام.

المشروع ليس خيالا افتراضيا. انه موجود وجارٍ العمل في تنفيذه في العالم العربي والاسلامي. لكن يحتاج الى وقت كاف لاقتناع اميركا واقناع النظام العربي بإمكانية تنفيذه في الخليج والمشرق العربي.

مع سقوط الرهان الاميركي على الاسلام «الجهادي والانتحاري» بعد نهاية الحرب الباردة، وامام استحالة قمع ومنع «الأسلمة» في المجتمعات العربية والاسلامية المرشحة اميركيا للتغيير، فقد اعتمدت اميركا منذ منتصف التسعينات «اسلام الاعتدال» كبديل يجنب هذه المجتمعات السقوط في قبضة انظمة دينية مشابهة لنظام طالبان وايران.

البديل الذي دعمته وايدته اميركا بلا ضوضاء او دعاية، اصبح قائما ومستقرا في اكثر من بلد اسلامي. هناك حزب اسلامي معتدل يحكم بأغلبية مريحة في تركيا متحالفا مع العسكرية العلمانية الحليفة لاميركا. هناك حزب اسلامي معتدل في المغرب يشكل القوة الانتخابية الثالثة بين اليسار الاشتراكي واحزاب «المخزن» التقليدية في الوسط واليمين. ولعل نجاح التعددية المغربية التي يدعمها ملك شاب متحمس للتغيير، هو الذي دفع بالاسلام «الجهادي» الى هز الاستقرار المغربي بالعمليات الانتحارية الاخيرة، لاحباط التجربة الديمقراطية.

التقارب الاميركي ـ السوداني، بعد اقصاء مرجعية الترابي، يرشح النظام العسكري الى التحول نحو حزب «عدالة وتنمية» على شاكلة النظام الاسلامي ـ العسكري في تركيا. وحتى جزائر بوتفليقة، في محاولتها احلال الوئام مع تيارات الاسلمة المعتدلة، هي ايضا مرشحة اميركيا لمثل هذا التغيير، إذا اقتنعت المؤسسة العسكرية الجزائرية. وفي اندونيسيا، تخوض الولايات المتحدة تجربة مثيرة لتربية «اسلام معتدل» يقف مع العسكر والنظام الليبرالي الحاكم في مواجهة «الاسلام الساخن» النامي في اكبر بلد اسلامي.

التربية الاميركية لـ «اسلام معتدل» تتضمن تدريبا وتمويلا لتياراته وقواه. رجب طيب اردغان رئيس الحكومة التركية الحالية وقادة حزبه خضعوا سرا لدورات تدريبية في الولايات المتحدة على كيفية عمل المؤسسات الديمقراطية وادارة اللعبة السلمية السياسية، وربما خضع لذلك ايضا قادة واطر في حزب العدالة والتنمية المغربي. والغرض ارساء ثقافة اسلامية معاصرة تعترف بالديمقراطية والحريات السياسية، وفي مقدمتها حقوق المرأة في العمل والحوار والمشاركة السياسية، كل ذلك دون صرف النظر عن احكام الشريعة في الاحوال الشخصية.

قد لا اكون مغاليا اذا قلت ان ايران (التي باتت محاصرة اميركيا) ترسل مع حلفائها وقواها الشيعية في العراق اشارات ومبادرات لطمأنة الاميركيين، بأنها هي ايضا اصبحت «نظاما اسلاميا معتدلا»، وتقبل بقيام مثله في العراق. جولة خاتمي في العالم العربي حققت نجاحا كبيرا في الدعاية لـ «سلمية» الاسلام الشيعي، وتخليه عن العنف وتصدير الثورة، واستعداده لحوار الحضارات والاديان، ورفضه الدخول في مجابهة مع اميركا.

وعلى منوال الاصلاحية الخاتمية، تنسج مراجع الشيعة الدينية والسياسية في العراق لطمأنة اميركا والاعتراف «الضمني» بجميلها في اسقاط نظام صدام «الكافر». وعلى الرغم من التناحر بين هذه المراجع، فهي كلها تقول انها مع نظام عراقي اسلامي عصري وتعددي، وحكومة منتخبة ممثلة لكل فئات العراق وقواه الدينية.

هل تقتنع اميركا بقيام نظام عراقي او عربي يعتمد «اسلام الاعتدال» وتشارك فيه العمائم واللحى التي تمت حلاقتها في تركيا؟
لست ادري ربما علينا الانتظار سنة او اكثر. والله اعلم

20 مايو 2003

http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=171727&issueno=8939 غسان الإمام : هل تراهن أميركا على «أسلمة ديمقراطية» للنظام العربي؟