Wednesday, February 29, 2012

غسان بن خليفة : ويكيليكس تونس : الإستراتيجيّة الأمريكيّة لنشر الديمقراطيّة وفرسانها

كشفت برقيات نُشرَت مؤخّرا على موقع ويكيليكس مدى اهتمام واشنطن ببعث منظّمات وشبكات تُعنى بـ”نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان” في العالم العربي. وأبرزت أيضا الدور الهامّ الذي لعبه ناشطون تونسيون في هذه المبادرات. ورغم عدم وجود أدلّة على تأثير يُذكَر لهؤلاء الناشطين في أحداث الثورة التونسيّة، إلاّ أنّهم يشاركون اليوم من مواقع متقدّمة في الحياة العامّة بالبلاد.

ويكيليكس تونس : الإستراتيجيّة الأمريكيّة لنشر الديمقراطيّة وفرسانها

يبدو أنّ الاهتمام الأمريكي بـ”دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان” في تونس أتى في سياق مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، الذي أعلنت عنه إدارة بوش الابن سنة 2003. إذ تُبيّن برقيّة، عنوانها ” تونس – استراتيجية الإصلاح الديمقراطي لدعم أجندة الحرّية 05 TUNIS1045، تغيّرا ملحوظا في المقاربة الأمريكيّة لحالة التصحّر السياسي التي فرضها بن علي. إذ وصل الأمر بالسفير ويليام ج. هودسون إلى حدّ اقتراحه على رؤسائه في واشنطن تبنّي “سلوك هجومي” تجاه النظام التونسيّ. حماسة السفير بلَغَت حدّ تبرير تحمّل ما يتوقعّه “من إجراءات انتقاميّة” للنظام التونسي بالمجالات التي تهمّ الأمريكان. وأشار في هذا الصدد الى أضرار قد تلحق “التاريخ المتميّز للعلاقات العسكريّة بين الطرفين” و”التعاون الهامّ في مجال مكافحة الإرهاب”. كما تخوّف من إمكانية تراجع النظام التونسي عن ” مواقفه المعتدلة” ومساعداته “وراء الستار” في قضيتيْ العراق وفلسطين وعن ” الخُطَط (التونسيّة) المُعلنة للسماح بعودة التمثيل الديبلوماسي الاسرائيلي في تونس”.

استراتيجيّة بهدفيْن

وحدّد السفير في استراتيجيّته المُقتَرحَة تركيز الضغوط الأمريكيّة على عنوانين لا غير: حرّية التعبير وحرّية التنظُّم. إذ لم تكن هناك مطالبة بإطلاق الآلاف من مساجين الرأي والسياسة (أغلبهم من الإسلاميين والسلفيين) ولا حديث عن المطالب الاجتماعيّة. وكان السفير قد حدّد موعد القمّة العالمية لمجتمع المعلومات، التي انعقدت بعد أشهر بتونس، كمحطّة هامّة لممارسة ضغوط على الحكومة التونسية بهدف إجبارها على اتّخاذ إجراءات تحرّرية فوريّة في مجال حرّية التعبير. وقصد بذلك تحديدا: رفع الحظر عن مواقع أنترنات، إعطاء تراخيص جديدة لصحف، وضع معايير شفّافة لبعث إذاعات خاصّة ومنح إذاعة “سوا” الأمريكيّة رخصة البثّ على موجات الآف آم، وقف المضايقات الأمنية والقضائيّة للأفراد ذوي الأراء الجريئة. أمّا في مجال حرّية التنظّم فقد اقتصرت المطالب قصيرة الأمد على: السماح بنشاط المنظّمات غير الحكوميّة وبوصول تمويلات الاتّحاد الأوروبي إلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

ويبدو أنّ ذلك وافق خُطط المعارضة التونسيّة، التي نظمّت بمناسبة انعقاد القمّة إضراب جوع شهير شارك فيه إسلاميون الى جانب قيادات علمانية ويساريّة. حيث رُفعَ المطلبان، وأضيف إليهما العفو التشريعي العامّ. إلاّ أنّه من الممكن الآن استنتاج أنّ النظام التونسي لم يرضخ لتلك الضغوط المقترحة ولم يقدم على أيّة إجراءات تُذكَر. بل ويبدو أنّه قرّر امتصاص ضغط واشنطن عبر التلويح بالورقة الإسرائيلية. إذ أصرّ حينها على دعوة وزير خارجية إسرائيل سيلفان شالوم، رغم ما شهدته البلاد من احتجاجات كبيرة نسبيًا عند ذيوع خبر دعوة شارون في البداية.

وكأداوت مطلوبة لإنجاح هذه الاستراتيجيّة قرّر السفير الأمريكي أنّ حصول تقدّم في مجاليْ حرّية التعبير والتنظّم في تونس يتطلّب فتح مكاتب للمعهد الدولي الجمهوري IRI التابع للحزب الجمهوري أو المعهد الوطني الديمقراطي NDI التابع للحزب الديمقراطي. كما اقترح على رؤسائه ان يهتمّ المكتب الاقليمي لـ “مبادرة الشراكة الشرق الأوسطيّةMEPI بتونس بتنظيم برامج خاصّة بالاعلام والتنظّم. وكانت هذه المبادرة، الهادفة إلى “التواصل المباشر مع الناس والاستثمار في شعوب المنطقة”، قد فتحت لها مكتبًا اقليميًا في تونس أواخر 2004 للإشراف على إدارة البرامج في بلدان المنطقة (بما في ذلك اسرائيل). ورُصدَ له “أكثر من 50 مليون دولار سنويًا” لإقامة مؤتمرات ودورات تكوين وتبادل لـ”القادة الشبّان من أجل الديمقراطيّة” و”سيّدات الأعمال الشابّات”.

شبكة الديمقراطيين

وفي إطار نفس استراتيجية الدَمَقرَطة الأمريكيّة للبلدان العربيّة، بادر الأمريكان إلى احتضان شبكة لـ” الديمقراطيين في العالم العربي” إختير لها بعض الناشطين السياسيين والحقوقيين بالعالم العربي. وحدّدت الشبكة، التي تعرّف بنفسها كـ”منظمة مجتمع مدني غير حكومية، كهدف أوّل لها إنشاء اطار ومنصة موحّدة لمنظمات المجتمع المدني والناشطين الديمقراطيين” بالمنطقة. كما ذكرت على موقعها أنّها تأسّست “في يناير 2006 كنتيجة لمؤتمر المغرب الذي حضره 63 قائد ديمقراطي من 14 دولة عربية”. لكن ما لم تذكره الشبكة هو أنها مُمَوَّلة من مكتب الديمقراطيّة وحقوق الإنسان والعمّال DRL التابع لوزارة الخارجية الأمريكيّة ، كما كشفت عن ذلك البرقيّة 06 TUNIS80. كما لم تذكر حضور مسؤولين أمريكيين من وزارة الخارجية (من مكتب DRL ) ومن مبادرة الشراكة MEPI مؤتمر المغرب. وهو ما ذكره ويليام هودسون سفير الولايات المتحدّة في تونس في برقيّته. وأشار الأخير الى انّ من الأهداف “التي لم تُعلَن أبدًا بوضوح” جسر الهوّة بين “الاسلاميين والعلمانيين المتوافقين على الديمقراطيّة”، وايضا ان يعمل المشاركون على استقطاب ” المنظّمات والأفراد المهتمّين بنشر الديمقراطية في العالم العربي” الى الشبكة. وتذكر البرقية ايضا توافق المشاركين على ضرورة أن “يركّز الناشطون العرب على ثلاث محاور رئيسيّة هي: تصحيح التصوّرات الخاطئة عن الإسلام داخل المنطقة وخارجها؛ تشجيع الشباب على الانخراط أكثر في الحياة العامّة و”تشجيع الغرب حيث تتقاطع مصالحه مع مصالح العالم العربي”. الاّ انّ هذه العناوين غير مذكورة في قائمة الأهداف التي تنشرها الشبكة على موقعها.

والى جانب اهتمام السفير برصد النقاشات الحامية، “لكن الودّية”، بين المشاركين الإسلاميين والعلمانيين، يبدي اهتماما بموقف المشاركين من التمويل الأمريكي الرسمي للشبكة. إذ يذكر في برقيّته أنّه “باستثناء المغربي محمّد يتيم، النائب عن حزب العدل والتنمية الاسلامي، عبّر الجميع عن امتنانهم لتمويل مكتب “الديمقراطية وحقوق الانسان والعمال” للمؤتمر”.

ويلاحَظ أيضا في إحدى الوثائق المنشورة على الموقع احتلال أشخاص، توجد نقاط استفهام كبيرة على مدى نضالهم وطبيعة التزامهم بقضيّة الديمقراطيّة في بلدانهم، هياكل قياديّة بالشبكة. من بينهم الصحفي التونسي كمال بن يونس عضو اللجنة التنسيقيّة للشبكة. فالأخير، الذي ذكر في سيرته الذاتيّة أنّه “حضر أولّ لقاء بين سيف الاسلام القذّافي والامريكيين والاسرائيليين”، لا يتمتّع بسمعة طيّبة لدى الصحفيين التونسيين الذين ساندوا المكتب التنفيذي الشرعي لنقابة الصحفيين في وجه الانقلاب الذي دبّره لها نظام بن علي. الأمر نفسه يمكن أن يُلاحظ حول الهاشمي الحامدي، الاعلامي التونسي المقيم بلندن، أو الليبيّة فائزة الباشا أو السوري رضوان زيادة اللذين توجد أسماؤهم في قائمة الأعضاء المؤسّسين.

فرسان الديمقراطيّة

وحدّد السفير أيضا في برقيّته بعض المشاركين الذين وصفهم بـ”اللاعبين المفاتيح”. وكان من ضمنهم ثلاث تونسيين. أحد هؤلاء صلاح الدين الجورشي مدير جمعيّة الجاحظ الثقافيّة في تونس. وهو صحفي وأحد رموز “الاسلاميين التقدّميين” الذين انشقّوا مبكّرا عن حركة النهضة الاسلاميّة في تونس.

رضوان المصمودي: الوسيط

وذكر السفير الأمريكي أيضا المهندس رضوان المصمودي، الذي يرأس مركز دراسة الاسلام والديمقراطية بواشنطن منذ 1999. وقد وصف الأخير بـ”الفاعل الأساسي” قبل انعقاد المؤتمر التأسيسي للشبكة عبر تحديده لقائمة المشاركين. كما تكشف البرقيّة على وجود “اتفاق مسبَق مع DRL ” على تولّي المركز الذي يديره المصمودي تسيير الشبكة، وأنّ أغلبية المشاركين اعترضوا على ذلك. لكن وثيقة منشورة على موقع الشبكة بعنوان “دليل الأعضاء الأفراد 2007″، تفيد بأنّ المؤتمر التأسيسي لم يستجب لتلك الاعتراضات وفوّض أمر تسييرها لمركز دراسة الاسلام والديمقراطيّة.

وتُبيّن برقيات سابقة لويكيليكس الدور الهامّ الذي لعبه المصمودي في تنظيم لقاءات بين ما يوصَف بالشقّ “البراغماتي” في قيادة حركة النهضة والمسؤولين الأمريكيين. كما شجّع، مع “اسلاميين معتدلين” آخرين، في أحد اللقاءات الديبلوماسيين الأمريكين على زيارة القيادي الاسلامي حمّادي الجبالي، الذي فرضت عليه السلطة إقامة جبريّة ببيته. وهو ماتمّ فعلاً حسب احدى برقيّات ويكيليكس 06 TUNIS2298 وبرز أكثر دور المصمودي مؤخّرا عندما نظمّ للجبالي بعد الثورة زيارة الى الولايات المتحّدة الأمريكيّة، أثارت جدلا حاداً. إذ دعا خلالها الأمين العام الحالي لحركة النهضة الى اقامة “تحالف استراتيجي بين الولايات المتّحدة وتونس” كما استشهد بإسرائيل كمثال على امكانيّة التعايش بين التيّارات العلمانية والدينيّة في نظام ديمقراطي.

وقد شارك رضوان المصمودي مؤخّرًا في انتخابات المجلس التأسيسي في تونس. إذ ترشّح في ائتلاف لقائمات مستقلّة تحت اسم “طريق السلامة” إلى جانب رموز إسلاميّة “معتدلة” مثل عبد الشيخ عبد الفتّاح مورو الذي ابتعد مؤخّرا عن حركة النهضة. لكن لم يحالفهم النجاح.

محسن مرزوق: الخبير

اسم آخر شدّ انتباه السفير الأمريكي في برقيّته: محسن مرزوق. إذ وصفه هودسون بأنّه “صاحب أراء علمانيّة قويّة”. مرزوق اكتشفه عموم التونسيين بعد الثورة لظهوره بوتيرة شبه يوميّة على وسائل الإعلام بصفته “خبيرا في التحوّلات الديمقراطيّة”. وقد تميّز منذ هروب بن علي بمواقفه ومبادراته التي أثارت جدالات واسعة. إذ لم يكتف اليساري الثوري السابق بالسخرية، في إحدى الإذاعات، من المعارضين لطلب الحكومة المؤقّتة قروضا جديدة من المؤسّسات الماليّة العالميّة. بل وعارض اعتصام القصبة الذي فرض مطلب المجلس التأسيسي ووصفه بـ”الفوضوي والشعبوي”.

ويرد اسم مرزوق ثلاث مرّات على الأقلّ في برقيات السفارة الأمريكية بتونس، التي نشرها موقع ويكيليكس. ويتضّح من بعضها أنّه يحمل رؤية واضحة للدور الأمريكي في قضيّة الديمقراطيّة بالعالم العربي، وتونس تحديدا. إذ تكشف البرقية عدد 05 TUNIS1081 أنّه كان يحمل منذ شهر أبريل 2005 (عندما كان مديرًا بتونس للمكتب الإقليمي لمنظمّة فريدم هاوس الأمريكيّة المثيرة للجدل) تصوّرًا لضرورة إنشاء “مركز عربي للشراكة الديمقراطيّة” يعمل على نشر “الثقافة والممارسة الديمقراطيّة”. وهو ما يبدو أنّه تحقّق عبر خلق شبكة الديمقراطيين في العالم العربي. ولا يبخل مرزوق على الأمريكان بنصائحه فيما يخصّ “الإصلاحات الديمقراطيّة” التي يبغونها للمنطقة. إذ تشير البرقيّة 07TUNIS102 الى لقاء جمعه، بمعيّة ناشطين تونسين آخرين، بمساعد وزير الخارجية ج. سكوت كاربنتر وتحدّث فيه مرزوق عن ضرورة ألّا تكتفي الولايات المتّحدة بأدوات “قصيرة الأمد” مثل برنامج MEPI و”منتدى المستقبل”. بل أنّه عليها أن تُدرجَ ذلك في سياق ” مقاربة استراتيجيّة طويلة الأمد”. وأوضح أنّه على المجتمع المدني التونسي أن ينفتح على “القطاع الخاصّ والمنظمّات والأفراد الأمريكان”.

وقد استعمل مرزوق في اللقاء عبارة أثارت انتباه السفير الأمريكي روبرت غوداك على ما يبدو. إذ رأى أنّه على “الولايات المتّحدة أن تعامل الديكتاتوريين مثل السجائر الكوبيّة: تسمح بهم وتمنعهم” في آن. وهذه العبارة تثير نقاط استفهام حول طبيعة موقف مرزوق من الديكتاتوريّة في تونس. إذ كشفت برقيّة أخرى نُشرَت مؤخّرا إلى موقف ملتبس له من الموضوع. كان ذلك خلال لقاء آخر جمعه، وناشطين سياسيين آخرين في نيسان 2006، بنائب وزير الخارجيّة الأمريكي وقتها روبرت زوليك (مدير البنك العالمي حاليًا). حيث رأى مرزوق أنّ إحداث تغيير ملموس في الوضع السياسي الراكد يستلزم من الولايات المتّحدة طمأنة الدائرة المقرّبة من بن علي على مصيرها بعده. وقد استرعى هذا الاقتراح انتباه السفير الأمريكي الذي أضاف ملحوظة مفادها انّ مرزوق يقصد بالتأكيد وان جزئيًا العائلة الموسّعة لبن علي (وهو ما يعني عائلته وعائلة زوجته ليلى الطرابلسي التي يكرهها التونسيون بشدّة). وأضاف مرزوق أن الأمر قد يكون صعبًا من الناحية الديبلوماسيّة على الحكومة الأمريكيّة، لكنّه لا يرى إمكانية لانفتاح سياسي من دون منح “هذه الضمانات للدائرة المقرّبة من بن علي”.

ونفى مرزوق أنّه قصد منح ضمانات لعائلة بن علي. إذ قال على صفحته بموقع فيس بوك أنّه قصد توفير “محاكمة عادلة لهم”. لكنّ ذلك لم يقنع الكثيرين، خاصّة بعد أن فجّر الصحفي بقناة الجزيرة بسّام بونّني قنبلة بمقال شهد فيه على ما يعرفه عن الرجل. إذ أكّد في المقال، الذي أثار حفيظة مرزوق إلى حدّ التهديد بالالتجاء للقضاء، أنّ مرزوق رفض في مؤتمر وزاري لـ”منتدى المستقبل” عُقدَ في الدوحة أثناء الثورة أن يتعرّض البيان الختامي للأحداث الجارية في تونس. كما روى بوننّي أنّ مرزوق هاتفه صباح 14 يناير (يوم خلع بن علي) واستنكر تغطية الجزيرة لأحداث الثورة. وأضاف الصحفي أنّ الأمين العامّ للمؤسسة العربية للديمقراطية والمنسقّ التنفيذي لمركز الكواكبي للتحوّلات الديمقراطيّة كان يصرخ في الهاتف : “يجب أن يبقى (بن علي) في الحكم وإلاّ سيكون الفراغ”.

http://www.machhad.com/4344 غسان بن خليفة : ويكيليكس تونس : الإستراتيجيّة الأمريكيّة لنشر الديمقراطيّة وفرسانها