Wednesday, May 4, 2011

محمد جمال : حوار أمريكا والإخوان.. إمساك العصا من المنتصف

19/12/2005


أثار الفوز الهام الذي حققته جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات برلمان مصر لعام 2005 وحصولها على 20% من مقاعد البرلمان (88 مقعدا) تساؤلات في الغرب عموما وأمريكا خصوصا حول تأثير هذا الفوز على مصالح القوى الكبرى في المنطقة، وهل يتطلب هذا الفوز الدفع باتجاه تسريع فتح حوار مع رموزها باعتبارهم يمثلون الإسلام المعتدل أم لا؟ وذلك في ظل استمرار سيطرة فريق أصولي من المحافظين الجدد على إدارة بوش يرى أن كل الإسلاميين خطر على مصالح أمريكا.

وزاد الجدل سخونة أن الموقف الأمريكي من نتائج الانتخابات تأرجح بين عدم الاكتراث في بدايتها إلى الاهتمام في نهايتها والحديث عن فتح حوار مع نواب الإخوان في البرلمان، فضلا عن إعلان دول أوربية -فرنسا- أنها ستسعى بالفعل لفتح حوار مع نواب الإخوان، في الوقت الذي أظهر موقف الإخوان أنفسهم تأرجحا مماثلا بين رفض اللقاءات مع المسئولين الرسميين الغربيين إلا بحضور الخارجية المصرية، وقبول الحوار مع أعضاء الكونجرس فقط باعتبارهم نواب الشعب وفق "الدبلوماسية الشعبية".

ويبدو أن الموقف الأمريكي الرسمي الذي كان يراهن بشكل كبير على القوى الليبرالية والعلمانية في هذه الانتخابات أصيب في البداية بالدهشة لخسارة الرموز الليبرالية، ومن ثَم كان الصمت تجاه فوز بعض رموز الإخوان. ولكن مع تأكد أنباء اكتساح الإخوان لمقاعد المعارضة وتصاعد النقد الداخلي من المنظمات الحقوقية الأمريكية "هيومان رايتس" للصمت الأمريكي على تجاوزات الانتخابات المصرية، بدأت واشنطن تصعد لهجتها فجأة تجاه مصر وتصعد موقفها تجاه إدانة التجاوزات الانتخابية.

وإزاء هذا الوضع الجديد بدأت تظهر بعض الإرهاصات التي تشير إلى تعاظم الحاجة الأمريكية لفتح حوار مع الإخوان، ووجود تغيير في الموقف الأمريكي القديم الرافض لأي حوار مع القوى الإسلامية عموما؛ وهو ما يعني أن واشنطن تفكر في التراجع علنا عن الالتزام الذي قالته وزيرة الخارجية كونداليزا رايس حينما زارت مصر أوائل 2005 والمتعلق بعدم إجراء أية اتصالات أمريكية مع الإخوان باعتبار أنهم "جماعة غير قانونية وواشنطن تحترم القوانين المصرية".

وربما يكون الموقف الأمريكي الجديد أقرب إلى رأي وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "مادلين أولبرايت" حينما حذرت بلادها في مؤتمر في دبي أوائل ديسمبر 2005 من دعم إصلاحات زائفة تؤدي إلى عزل المعارضة الإسلامية، ووصفت حظر واستبعاد الإسلاميين من المشاركة في الحياة السياسية على أساس أنهم غير ديمقراطيين بأنه خطأ؛ لأن أنجع وسيلة لانحسار التطرف في الشرق الأوسط هي السماح للمعارضة الإسلامية غير العنيفة بالمشاركة في الحياة السياسية.

وتتضح ملامح هذا الموقف الأمريكي في تصريحات نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية "آدم إيرلي" تعقيبا على نتائج الانتخابات والتي أشار فيها إلى احتمال أن تجري بلاده حوارات مع نواب الإخوان الفائزين داخل البرلمان باعتبار أنهم "نواب مستقلون"، ولهم بالتالي صفة رسمية على عكس الجماعة المحظورة قانونا، وأكد أنه "ليس هناك ما يمنعنا من ذلك".

مأزق واشنطن

ومن الواضح أن فوز الإخوان أوجد نوعا من المأزق الديمقراطي للغرب والولايات المتحدة تحديدا بشكل فرض على الرئيس الأمريكي بوش والدول الأوربية التفكير في تعاطٍ جديد مع التيارات الإسلامية "المعتدلة" التي تقبل اللعبة الديمقراطية في المنطقة العربية، خاصة إذا كان صعودها لا يضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة.

ويعلق "جيسون براونلي" أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس والمتخصص في قضايا التحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط على ذلك بالقول: "إن الجدل داخل إدارة بوش حول مسألة الحوار كبير، فهناك من يرى أنه من المبكر جدا تصور وصول الإخوان إلى السلطة بحصولهم على عدد من مقاعد البرلمان، وأنه حتى إذا افترضنا ذلك، فإن تأثير وجودهم في السلطة لن يصاحبه تغيرات دراماتيكية في السياسة المصرية كما يتصور البعض، ولا يوجد بالتالي مبرر من وجهة نظر هؤلاء لتأجيل مشروع الإصلاح أو التراجع عنه، وعلى الجانب الآخر يوجد في الإدارة من يعتبر أن الإخوان سيمثلون خطرا بالغا على مصالح الولايات المتحدة إذا تسنى لهم الوصول إلى الحكم دون أن يحددوا موقفهم بوضوح من قضايا تداول السلطة والقبول بقواعد الديمقراطية ونبذ الإرهاب؛ وهو ما يعني أن واشنطن ستراقب أداء جماعة الإخوان في المرحلة القادمة كمؤشر على التعاطي مستقبلا معها".

ومن ثَم يمكن التفريق بين وجهتي نظر مختلفتين لآراء الخبراء بشأن علاقة أمريكا والإخوان على النحو التالي:

الأولى: تشدد على أن الغرب ليس لديه مشكلة في التعامل مع الإسلاميين أو غيرهم وأن ما يهمه في هذا الصدد هو مصالحه، وأنه لو استمر تأمين هذه المصالح وعدم تهديدها بعد فوز الإخوان أو غيرهم من الفصائل الإسلامية في المنطقة فليست هناك مشكلة.

ويؤيد وجهة النظر هذه د. عصام العريان أحد كوادر جماعة الإخوان الذي يقول لـ"إسلام أون لاين.نت": إن الغرب ربما يعيد حساباته تجاه الجماعة إيجابيا وليس سلبيا؛ لأنه كانت هناك حملة تخويف وتفزيع تتم للغرب باستخدام الإخوان كفزاعة لهم، ولكن "الآن نحن في انتخابات حرة وأثبت الإخوان أنه لهم قبول وشعبية لدى المصريين"، ويضيف "أعتقد أن أمريكا لا تجد مشكلة في التعامل مع الإسلاميين عموما فهي تحتل بلدا يحكمه إسلاميون (العراق) وستتركه للإسلاميين وهي تتواجد في البحرين وبرلمان البحرين كله إسلاميون تقريبا، أيضا تتحالف مع حلف الأطلنطي وبه تركيا التي يوجد بها حزب إسلامي على رأس السلطة هناك".

ويشدد د. عصام على أن أمريكا "تسعى فقط لحماية مصالحها النفطية وأمنها وتسعى لمنع الإرهاب، وهم يرون أن الإرهاب جاء بسبب الاستبداد والفساد، وبالتالي "فأمريكا قد ترى في صعود الإخوان "خطرا بعيدا" على مصالحها في المنطقة، ولكن "الخطر القريب" الحالي هو الآن الإرهاب بالنسبة لهم"، خاصة أن هناك نصائح تقال في أمريكا بأن هذه نتائج انتخابية يجب احترامها والأخذ بها والتعامل معها.

ويؤيد هذا الرأي ضمنا د. ضياء رشوان الخبير في مركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام الذي يؤكد لـ"إسلام أون لاين.نت" أن "مشكلة أمريكا الرئيسية مع الإسلاميين أنه إذا تعارض وجودهم مع الأهداف الإستراتيجية الأمريكية فهنا تنشأ المشكلة"، ويحدد الأهداف الأمريكية عموما في المنطقة بأنها "أمن إسرائيل، وحرية المرور في الممرات المائية، والحفاظ على النظم الصديقة، ومحاربة الإرهاب". ويرى أن هدفين من هذه الأهداف يتعارضان حاليا بالفعل، وهما: أمن الدولة الصهيونية، والنظم الصديقة مثل مصر والأردن، أما الأوربيون فليس لديهم مشكلة مع الإخوان، بل إن لديهم توجها لحل مشاكل الإسلاميين في العالم العربي عموما بسبب تجربتهم العنيفة في الجزائر، وبالتالي ليست لديهم موانع في التعامل مع الإسلاميين.

الثانية: ترى أن هناك مشكلة ستظهر مع فوز الإخوان وصعودهم السياسي؛ لأن وجهة النظر الأمريكية في الحالة الأولى لا تنطبق على الإخوان؛ لأن الإدارة الأمريكية تعتبر الإخوان تحديدا من "القوى المتطرفة"، كما ورد على لسان بعض مسئولي الإدارة الأمريكية.

وهذا الرأي يتبناه محللون مصريون وأجانب، حيث يؤكد د. محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن "الأمريكيين أعادوا تقييم الموقف الآن وخلصوا إلى أن التحول السريع والقوي للديمقراطية في مصر مستحيل وستكون نتيجته صعود الإخوان، وأن "المطلعين على بواطن الأمور في واشنطن ينصحون الآن وزارة الخارجية الأمريكية بعدم التخلي عن الحكومات العربية دون وجود بدائل واضحة، والعمل بدلا من ذلك على إجراء تغييرات هيكلية بعيدة الأمد وإيجاد سبل للتأثير على الرأي العام العربي".

أيضا تبنت هذا الرأي صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" المسيحية الأمريكية الشهيرة، حيث اعتبرت فوز الإخوان دليلا على خطورة نشر الديمقراطية في العالم الإسلامي، وقالت: "إن تطبيق الديمقراطية في الشرق الأوسط ينطوي على تعقيدات؛ لأن تشجيع بلادها انتخابات حرة وعادلة يفتح الطريق أمام "المنظمات الإسلامية المزعجة" للمشاركة، مثلما حدث في الانتخابات البرلمانية المصرية، وسيحدث في الانتخابات العراقية والانتخابات الفلسطينية في يناير 2006".

ويلاحظ هنا أن تصريحات أمريكية صدرت بالفعل تشير إلى أن الإخوان ليسوا جماعة معتدلة حسبما قالت "ليز تشيني" مساعدة وزير الخارجية لصحيفة "روزاليوسف" المصرية والتي أكدت "عدم اعتقاد إدارة بوش باعتدال الإخوان". كما صدرت تصريحات مشابهة من مدير المخابرات الأمريكية السابق "جيمس ولزي" يلمح فيها إلى أن الإخوان ليسوا معتدلين.

ردود فعل أمريكية

وبشكل عام لوحظ أن الموقف الأمريكي الرسمي من نتائج الإخوان في الانتخابات المصرية اتسم بالتحفظ من جهة والتقليل من حجم فوز الإخوان من جهة أخرى، ولم يدلِ كبار المسئولين في إدارة بوش مثل وزيرة الخارجية بالتعليق على نتائج الانتخابات وما شابها من عنف واعتقالات في صفوف المعارضة، وتركوا مهمة التعليق للمتحدث باسم وزارة الخارجية شون ماكورماك أو نائبه آدم إيرلي، أو ديفيد وولش مساعد وزيرة الخارجية لشئون الشرق الأدنى، وليز تشيني نائبة مساعد وزيرة الخارجية.

ويفسر "جيسون براونلي" سر هذا التحفظ في موقف الإدارة الأمريكية من صعود الإخوان طبقا لنتائج الانتخابات المصرية بأنه أمر "متوقع"؛ لأن إدارة بوش تتبنى مشروعا لتغيير وجه الشرق الأوسط وتعزيز الديمقراطية، وقد شعرت بخيبة الأمل من تراجع أداء التيار الليبرالي وبقية الأحزاب السياسية المصرية في الشارع المصري، ولم يَعُد أمامها من خيارات سوى النظام الحاكم أو جماعة الإخوان، وبالتالي فإن الإدارة عليها أن تختار بين الضغط على النظام القائم لتحقيق إصلاحات ديمقراطية تفيد التيارات الليبرالية ومؤسسات المجتمع المدني، أو أن تتقبل وصول الإخوان إلى الحكم وما ينطوي على ذلك من تهديد للمصالح الأمريكية.

ويعتبر "براونلي" أن القلق الأكبر لدى الإدارة من صعود الإخوان يكمن في أن حكومة مفترضة للإخوان في المستقبل تعني التعامل مع نموذج حكم يتمتع باستقلالية وهو ما لا يتمتع به الحزب الحاكم في مصر الآن في علاقته بالولايات المتحدة والتي غالبا ما تتسم بالتبعية، ويرى أن أولوية الولايات المتحدة الآن هي استقرار الحياة السياسية في مصر ووجود حكومة لا تضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة.

ولكن "ميشيل دن" الخبيرة في معهد كارنيجي والأستاذة بجامعة جورجتاون تختلف مع هذا الرأي وتقول: "إن إدارة الرئيس بوش قد لعبت دورا في غاية الأهمية للضغط على النظام المصري وتشجيعه للقيام بالإصلاح حتى وإن أدى هذا الإصلاح إلى تحقيق جماعات معارضة لسياسة الولايات المتحدة مكاسب سياسية"، وتضيف "أن على الولايات المتحدة أن تواصل هذا الضغط والتشجيع لتعزيز الديمقراطية والإصلاح بما فيها إجراء انتخابات حرة بغض النظر عن القوة أو التيار الذي تأتي به نتائج هذه الانتخابات".

موقف الإخوان يحير أمريكا

وإذا كان الموقف الأمريكي من الحوار مع الإخوان قد انتهى على ما يبدو لإمساك العصا من المنتصف بالسعي للحوار مع الجماعة عن طريق نوابها "المستقلين" المعترف بهم في البرلمان، مع استمرار مقاطعة الجماعة الأم (باعتبارها محظورة قانونا)، فقد اتبعت جماعة الإخوان ذات التكتيك عندما أعلنت أنها ترفض الحوار مع إدارة بوش وتقبله مع نواب الشعب "الكونجرس" في رسالة مطمئنة للغرب عموما.

فقد أعربت الجماعة عن استعدادها لمحاورة الولايات المتحدة، واشترطت أن يتم ذلك عبر نواب الشعب فقط (نواب الإخوان ونواب الكونجرس)، بل واشترطت -وفق د. عصام العريان- إعلان أمريكا موقفا واضحا من احترام القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان ومعاهدات جنيف، وبالذات فيما يتعلق بضوابط حربها المعلنة ضد الإرهاب.

ويظهر هذا أيضا في قول د. محمد حبيب نائب المرشد العام: "إن الجماعة مُستعدة لاتصال مباشر مع الكونجرس الأمريكي، ولكنها لن تتصل بالإدارة الأمريكية إلا بموافقة من وزارة الخارجية المصرية"، ويقول نائب المرشد العام: "الجماعة تؤيد قاعدة أن أعضاء في الكونجرس يتكلمون مع أعضاء في مجلس الشعب، وهكذا...". ويقول "سعد الكتاتني" رئيس كتلة نواب الإخوان في البرلمان: إنه "لا يوجد عندنا مانع في التعامل مع الشعب الأمريكي كشعب من خلال المؤتمرات والندوات، أما التعامل مع المؤسسة الرسمية (الإدارة الأمريكية) فيكون تحت مظلة "وزارة" الخارجية المصرية".

ويبقى السؤال: متى ينتقل حوار إمساك العصا من المنتصف إلى إمساك العصا من أولها بين الإخوان والأمريكان؟ وهل اتباع الأمريكان مع الإخوان لنموذج حوارها القديم مع رموز فلسطينية في التسعينيات بدلا من منظمة التحرير (المحظورة وقتها) سوف يتحول إلى حوار متكامل مستقبلا كما جرى بين عرفات والأمريكان فيما بعد؟.

19/12/2005

http://www.rayah.info/browse.php?comp=viewArticles&file=article&sid=2462 محمد جمال عرفة : حوار أمريكا والإخوان.. إمساك العصا من المنتصف