Sunday, June 12, 2011

وليد نور :
واشنطن والإخوان .. ما بعد البرلمان؟

الثلاثاء 20 ديسمبر 2005

انتهت الانتخابات البرلمانية المصرية بما
شهدته من ظواهر ونتائج يرى البعض أن آثارها قد تمتد لعدة سنوات، وتحدث كثيرون عن
أسباب النتائج التي حققها 'الإخوان المسلمون' وذهب بعضهم إلى أن الحكومة المصرية
سمحت بذلك في إطار 'صفقة'، وأيًا كان الأمر فإننا نرى أن الأمر يجب أن يتطرق كذلك
إلى مناقشة الموقف الأمريكي من النتائج التي حققها 'الإخوان المسلمون'، ليس لأنه من
المحتمل أن النظام المصري لم يقدم على هذه الخطوة إلا بعد ضوء أخضر من أمريكا، ولكن
لأننا لا نستطيع أن ننسى كذلك التجارب الإسلامية السابقة والتي تم وأدها أو
محاربتها، فمن ينسى التجربة الجزائرية أو من ينسى السودان، وغيرهما من التجارب
الإسلامية والتي اصطدمت مع الواقع الدولي الرافض لهذه التجارب الإسلامية السياسية.

واشنطن والموقف من الإسلاميين

لا يهتم هذا المقال بمناقشة تاريخ العلاقة بين واشنطن والإسلاميين، ومع التأكيد على
أن واشنطن اهتمت بالشأن الإسلامي منذ خروجها إلى الساحة العالمية، إلا إنه فيما
يبدو فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة ارتضت حتى هجمات 11 سبتمبر 2001 أن توكل أمر
التعامل مع الإسلاميين إلى الأنظمة المحلية، إلا إن هجمات سبتمبر والتي تعد انتقال
للصراع بين الحكومات والإسلاميين إلى الساحة العالمية بين واشنطن والإسلاميين؛ مما
دفع إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى مواجهة الحركات الإسلامية، ومنذ ذلك الوقت
تخرج لنا مراكز الدراسات الأمريكية مئات البحوث والكتب عن هذا الأمر، ونرصد في هذا
الأمر تقريرين هامين صدرا في عام 2003 وعام 2005 عن مركز راند الأمريكي:

- التقرير الأول كتبته 'شيريل بينارد' زوجة أحد أقطاب المحافظين الجدد 'زلماي خليل
زادة'، ويبدو هذا التقرير كأنه تقرير إستراتيجي يقدم توصيات عملية لصانع القرار
الأمريكي، بغرض المساهمة في بلورة تيار الإسلام المدني الديمقراطي، وذلك من خلال
نقد التيارات الإسلامية الأصولية والتقليدية، ودعم التيارات الاسلامية العلمانية
والحداثية وتشجيعها.

ويتضمن التقرير توصيات عملية موجهة لصانع القرار الأمريكي لاستبعاد التيارات
الإسلامية المعادية وتدعيم التيارات الإسلامية، خاصة ما يطلق عليه التقرير التيارات
العلمانية والحداثية، لأنها أقرب ما تكون إلى قبول القيم الأمريكية وخاصة القيم
الديمقراطية.

وتؤكد الباحثة في هذا التقرير على وجود تيار إسلامي يتوافق مع المصالح الأمريكية،
وتقول: 'من الواضح إن الولايات المتحدة تفضل عالماً إسلامياً يتفق في توجهاته مع
النظام العالمي، بأن يكون ديمقراطياً، وفاعلاً اقتصادياً، ومستقراً سياسياً،
وتقدمياً اجتماعياً، ويراعي قواعد السلوك الدولي ويطبقها.

- أما التقرير الثاني، وصدر عن مؤسسة راند وشارك فيه ثمانية باحثين أحدهم 'شيريل
بينارد' وحمل اسم 'العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر'، وتبنى هذا التقرير بشكل واضح
رؤية تدعو للقبول بإشراك الإسلاميين المعتدلين في العملية الديمقراطية.

ويؤكد التقرير على ضرورة التفريق بين التيارات الإسلامية 'الأصولية' وتعدديتها وتتم
الإشارة إلى وجود تيارات إسلامية معتدلة قادرة على مواجهة زحف التيارات الأكثر 'تشددُا'،
ويعتبر كتاب التقرير التيارات الإسلامية المعتدلة تتمثل خاصة في جماعة 'الإخوان
المسلمين' وغيرها من الحركات المشابهة من حيث التشكل التاريخي والخط السياسي.

ويؤكد التقرير كذلك على ضرورة القيام بكل ما أمكن لضمان تمسك هذه الأطراف بمبدأ
التداول على السلطة وبأن العملية الديمقراطية ليست مجرد خطة تكتيكية مؤقتة للوصول
إلى السلطة وهو الأمر الذي تمت ملاحظته في الدراسات الخاصة بمناطق معينة خاصة
الدراسات الخاصة بمصر وأقطار المغرب الثلاثة.

وإذا من كان الخطأ الاعتقاد بأن كل ما تلفظه مراكز الأبحاث الأمريكية يلقى القبول،
إلا إن مثل هذه التقارير وغيرها وصلت إلى الإدارة الأمريكية وأثارت حالة من الجدل
بشأن الموقف من الإسلاميين عامة والإخوان المسلمين خاصة؛ وينقسم موقف الإدارة
الأمريكية بشأن التعامل مع الإسلاميين إلى موقفين:

الأول: يفضل دعم الحكومات القائمة وعدم الاندفاع في
تشجيع الديمقراطية وذلك لإغلاق الباب أمام الحركات الإسلامية، ويقود هذا الاتجاه
نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وابنته 'اليزابيث' التي تتولى أجندة الخارجية
الأمريكية للإصلاح والحريات، وترى اليزابيث أنه لا يجب على الولايات المتحدة الضغط
على النظام المصري في اتجاه الديمقراطية بسرعة حتى لا يفتح الباب أمام الإخوان
المسلمين

الثاني: أما الاتجاه الثاني فتمثله الخارجية
الأمريكية وعلى رأسها كونداليزا رايس التي ترى الفرصة مواتية
لتكرار تجربة العدالة والتنمية في مصر والعالم العربي، وهو ما تؤيده وزير الخارجية
الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت
التي كلفها ديك تشيني بتقييم الأوضاع
الديمقراطية في مصر والسعودية والعراق، وبعد زيارتها إلى مصر، أشارت أولبرايت في
تقريرها إلي أنها سئلت عن إمكانية التعاون الأمريكي مع تيار الإخوان المسلمين حاليا،
فكان ردها إيجابيا وقالت: 'إن الإخوان براجماتيون وعلي استعداد للتعاون مع
الأمريكان إذا رأوا أن مصلحتهم الحقيقية تكمن في ذلك، وإن الإخوان لديهم أفكار
سياسية منظمة، إلا أنهم لن يكونوا ديمقراطيين مستقبلا، وأنهم يرون أن الفرصة
الحالية أمامهم ضعيفة، لأن الحكومة الحالية تسيطر علي الأوضاع بشدة ودقة متناهية'.

وقالت أولبرايت: نحن لسنا ضد تكرار التجربة التركية الإسلامية في مصر، إلا أننا
نفضل أن يأتي البديل من داخل النظام الحالي في الوقت الراهن، فهذا هو الأفضل
والأقدر علي الاستمرار في معادلة الشرق الأوسط المستقر.

ويرى كثير من المحللين أن الإدارة الأمريكية ربما قد تكون قررت انتهاج حلا وسطًا
وذلك عبر فتح الباب تدريجيًا أمام حركات الإسلام السياسي وذلك حتى يتم التأكد من
نواياها وتوافق أهدافها مع المصالح الأمريكية.

ماذا عن الإخوان؟

بالنسبة للإخوان المسلمين، فمن التأكيد أن جماعة "الإخوان المسلمين" لم تغفل الدور
الأمريكي على الساحة العالمية ولذلك رُصدت في السنوات الأخيرة ما يمكن اعتباره
رسائل أو إشارات تهدف إلى تهدئة المخاوف الأمريكية بشأن تبني الإخوان المسلمين
للديمقراطية، ويبدو أن 'سعد الدين إبراهيم' أحد كبار رجال أمريكا في مصر لعب دورًا
في هذه الرسائل، حيث كتب أكثر من مقالة العام الماضي طالب فيها 'الإخوان المسلمين'
بإيضاح موقفهم من قضايا الديمقراطية والإصلاح من أجل تهدئة المخاوف الأمريكية التي
يثيرها معارضو الإخوان، وعلى إثر هذه الدعوة نشر 'عبد المنعم أبو الفتوح' مقالا في
صحيفة الدستور تعرض فيه لبرنامج الإخوان المسلمين الإصلاحي واعتبر البعض هذا المقال
بمثابة رسالة موجهة إلى الخارج الأمريكي.

ما بعد البرلمان؟

بعد النتائج التي حققها 'الإخوان المسلمون' في الانتخابات البرلمانية المصرية،
تعددت التصريحات التي اعتبرها البعض رسائل تهدف لطمأنة الخارج، وبخلاف الحديث عن
الديمقراطية والإصلاح، تحدث الإخوان بصراحة عن قضايا خارجية كانت تمثل فارقًا بين
تجربة العدالة والتنمية في تركيا، والإخوان المسلمين في مصر.

القضية الأولى: التي تطرق لها الإخوان هي العلاقات مع إسرائيل، وفي هذا الشأن أكد
المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف أن جماعة الإخوان المسلمين لن تسعى
لتغيير السياسة الخارجية لمصر ومن ضمنها معاهدة السلام مع 'إسرائيل'.

وقال عاكف: إن الإخوان لا يعترفون بـ'إسرائيل', لكنهم لن يحاربوها, بل سيحترمون
جميع المعاهدات التي وقعتها مصر معها.

وبالتأكيد تمثل هذه التصريحات طمأنة للجانب الأمريكي بأنه ليس في نية الجماعة اتخاذ
مواقف قد تؤثر على حالة الاستقرار التي تشهدها المنطقة منذ توقيع اتفاقية السلام
بين مصر و'إسرائيل' عام 1979، وهو الأمر الذي أكدت على ضرورته جميع التقارير
والدراسات البحثية الأمريكية.

أما القضية الثانية؛ فهي قضية العراق وفي هذا المجال التقى المرشد العام للإخوان
المسلمين يوم 21 نوفمبر الماضي بإبراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق، وخلال المقابلة
شرح الجعفري آخر مستجدات الوضع العراقي، والجهود المبذولة لتحقيق نهضة العراق، ومن
جانبه أثنى الأستاذ عاكف على هذه الجهود التي تهدف لتحقيق الإصلاح، مؤكدًا ضرورةَ
التمسك بالوحدة الإسلامية بين الشيعة والسنة والأكراد.

وبالتأكيد إن مثل هذا اللقاء يثير كثيرًا من التساؤلات من أهمها لماذا هذا اللقاء؟
خاصة وأن الإخوان المسلمين ليست حزبًا معترفًا به، كما أن عاكف ليس موظفًا لدى
الحكومة المصرية ليقوم بهذا اللقاء، إضافة إلى ذلك ما يمثله الجعفري من كونه جزءًا
من المشروع الأمريكي في المنطقة، لذلك فإن هذا اللقاء يثير تساؤلا عن وجود دور
للإخوان في الشأن العراقي.

الدعوة إلى الحوار

ويبدو أن الجانب الأمريكي تلقى التصريحات التي أدلى بها قيادات الإخوان بمزيد من
الارتياح، حيث صدرت من الجانب الأمريكي تصريحات أخرى تعد اعترافًا بالواقع الجديد
في الساحة المصرية، ومن ذلك التصريح الذي أدلى به السيناتور الأمريكي تشيك هيجل
أثناء زيارته لمصر حيث أكد 'أن الإدارة الأمريكية لا تمانع في إدماج جماعة الإخوان
في الحياة السياسية من خلال منحها حزبا سياسيا طالما التزمت الجماعة بقواعد اللعبة
السياسية وقدمت من الضمانات التي تؤكد التزامها بالخط العام للسياسة المصرية
الخارجية، بما في ذلك الاتفاقيات والمعاهدات الدولية'.

وبعد عدة أيام ألمح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية طلب عدم الكشف عن هويته
إلى أن رسميين أمريكيين قد يجرون اتصالات باعضاء فائزين من الاخوان المسلمين بعد أن
أصبحوا لاعبين كبارا في الحياة السياسية المصرية حتى لو أن هذه الجماعة ليست حزبا
رسميا.

وتميز الرد الإخواني على هذه التصريحات بالحنكة السياسية، حيث قال محمد حبيب نائب
المرشد العام للإخوان المسلمين: إن الباب مفتوح لإجراء حوار بين الجماعة والولايات
المتحدة شريطة ألا يكون بمعزل عن الخارجية المصرية، وأضاف: 'مبدأ الإخوان في أي
حوار هو الأجندة المعروضة، وأن تكون هناك قضايا ملحة مرتبطة بالأوضاع الإقليمية
وبالقضايا المتعلقة بالإسلام'.

وهذا الموقف الإخواني يحقق لها عدة نتائج

1- الحفاظ على مصداقيتها: حيث أن مسارعة الإخوان إلى الحوار أو تهافتها عليه من
شأنه أن يشكك في مصداقية الإخوان وشعبيتها، خاصة وأن الكثيرين يعتبرون الإخوان
مناهضين للمشاريع الأمريكية في المنطقة.

2- الحفاظ على علاقتها مع النظام: وذلك عبر التأكيد على ضرورة أن تتم هذه الحوارات
عبر الخارجية المصرية؛ وهو أمر يهدف لطمأنة النظام المصري بعدم وجود أي نوايا
للإطاحة به.

وفي إطار هذه الرسائل المتبادلة يرى مراقبون أن الأيام المقبلة قد تشهد تقاربًا بين
الإدارة الأمريكية والإخوان المسلمين، خاصة وأن المكاسب التي حققها الإخوان
المسلمين يمكن أن تضعف جاذبية أيديولوجيات العنف، وهو ما يراه قياديون إسلاميون
كثيرون من تونس إلى سوريا، ومن بينهم 'حسن الترابي' الذي يقول: إن 'التشدد' سيخبو
لو ترافق مزيد من الإصلاح السياسي مع انسحاب للقوات الأمريكية من العراق وأفغانستان.

لذلك لم يكن عجبًا أن يتوقع مراقبون صعودًا لإخوان المسلمين في مصر يتوافق مع صعود
مماثل لحماس في فلسطين، إضافة إلى الحزب الإسلامي في العراق مما يشكل صعودًا لتيار
إسلامي يتحرك وفقًا لقواعد اللعبة السياسية ويعيدون تكرار تجربة 'العدالة والتنمية'
في العالم العربي، وإن غدًا لناظره قريب

الثلاثاء 20 ديسمبر 2005

http://www.islammemo.cc/2005/12/20/3081.html وليد
نور : واشنطن والإخوان .. ما بعد البرلمان؟