د. وحيد عبد المجيد : الدرس الأوكراني للعرب في عصر «الإصلاح» الأمريكي
2004/12/05
تحويل مسيرات مطلبية إلى حركة احتجاج ترفع شعارات من شأنها إحداث تغيير سياسي جذري. فلا يحتاج ذلك
إلى أكثر من قدرة تنظيمية عادية أو معقولة، خصوصا أن العدد المطلوب لإطلاق الاحتجاج المدني ليس كبيرا.
وفي إمكان حركات الإسلام السياسي حشد هذا العدد وأكثر منه بسهولة في بعض البلاد العربية. ما يمنعها هو
أن إقدامها على مثل ذلك منفردة لا يجلب لها دعما خارجيا، وبالتالي ينطوي على مغامرة يمكن أن تعرضها الى
خطر جسيم، وخصوصا في غياب أزمة سياسية ضاغطة على نظام الحكم ومقيدة لرد فعله.
ولكن نشوب مثل هذه الأزمة، وفي أجواء نفور شعبي تجاه نظام الحكم في البلد الذي تحدث فيه، يخلق البيئة
المواتية لحشد عدة عشرات من الآلاف في شوارع هذه العاصمة أو تلك.
وفي ظل هذه البيئة، لن يكون الحشد أصوليا، بل تعبيرا عن قوى معارضة عدة وإن قدم الأصوليون العدد الأكبر
من المحتشدين. وقد رأينا، على سبيل المثال لا الحصر، حشدا من هذا النوع نظمته أحزاب وقوى المعارضة في
أكثر من بلد عربي قبيل الغزو الأميركي للعراق. وقد يقال إنه ما كان ممكنا تحقيق ذلك من دون اتفاق مع
السلطات. وهذا صحيح.
ولكن صحيح بالقدر نفسه أن ما كان ممكنا لهذه السلطات أن تقبل إلا في مناخ أزمة فرضت عليها القبول. كانت
هذه الأزمة في شأن قضية خارجية. ولكن يمكن لأزمة داخلية حادة أن تفرض على السلطات قبول تنظيم حشد في
اتجاه آخر يستهدفها هذه المرة.
في أجواء أزمة الحرب على العراق قبلت السلطات ذلك مضطرة. وفي مناخ أزمة داخلية ستقبل السلطات مضطرة
وكارهة. والمشترك في الحالين هو أن كلفة الرفض والمنع بالقوة يمكن أن تكون باهظة. والأفضل في مثل هذه
الحال هو القبول بأن يحشد المعارضون أنصارهم والرهان على احتواء الأزمة وانقضاض الحشد. صحيح أن
الرهان أقوى بكثير في حال أزمة خارجية لا خلاف يذُكر عليها. ولكن ضعف الرهان في حال الأزمة الداخلية لا
يجعل الحظر القسري أفضل إلا إذا كانت كلفته أقل.
فنشوب أزمة داخلية كبيرة يضع نظم حكم في البلاد العربية في مأزق تاريخي بمعنى الكلمة، خصوصا في ظل
ازدياد احتمال تطور الدور الخارجي - الأميركي تحديدا - صوب مساندة الاحتجاجات الداخلية. ولذلك فإذا كان
لهذه النظم أن تستوعب درس أوكرانيا، ومن قبله جورجيا، فعليها أن تمضي قدما باتجاه الإصلاح وفق برنامج
وطني وعبر حوار داخلي للتوافق على معدلات هذا الإصلاح.
وفي إمكانها أن تستثمر نفور معظم قوى المعارضة تجاه السياسة الأميركية وعدم استعدادها لقبول إصلاح
مفروض من الخارج. ولكن الرهان على أن يكون هذا الموقف الوطني عائقا ضد التدخل الخارجي إلى ما لا نهاية
ليس أكثر من وهم. فلا يمكن تقدير نوع واتجاه التفاعلات المحتملة في حال نشوب أزمة داخلية كبيرة،
خصوصا إذا حدثت احتجاجات قوية ذات صدى ووجد قادتها أنه من حسن السياسة استثمار التأييد الأميركي من
دون الإشادة به، أو قبوله فعليا ورفضه كلاميا.
وربما يقدرون، في مثل هذا الظرف، أن في الإمكان استثمار التدخل الأميركي لتحقيق الإصلاح من دون تمكين
واشنطن من الحصول على عائد سياسي لتدخلها. غير أن التطلع إلى التحكم في ديناميات ومترتبات تدخل
أميركي في أزمة داخلية أقرب الى الوهم منه إلى الهدف السياسي القابل للتحقق. كما أن ترك الأوضاع تتدهور
الى أن تنشب أزمات كبرى ينطوي على خطر فادح، لأن التغيير قد يحدث في هذه الحال إلى الأسوأ وليس إلى
الأفضل.
وإذا كان الأمر كذلك، فمن عجب أن تظل نظم عربية مترددة في حسم خيار الإصلاح الوطني التوافقي الذي
يعصم بلادا لا تتحمل أدنى اضطراب من سيناريوهات مخيفة... ولعل أكثر ما يخيف فيها هو أن التدخل
الأميركي يكمن في كل منها.
* نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية
2004/12/05
http://www.alarabiya.net/save_pdf.php?cont_id=8465 د. وحيد عبد المجيد :: الدرس الأوكراني للعرب في عصر «الإصلاح» الأمريكي